2012/08/24

قرض التعليم الجامعي المدعوم، حق التعلم للجميع


لقد أدركت معظم المجتمعات أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، فلا تقدم اقتصادياً ممكن من دون ارتقاء الإنسان في مجتمعه، ومفتاح الارتقاء هو العلم وتشجيع البحث العلمي ونشر المعرفة. فالأفراد المتعلمون وأصحاب الخبرة والكفاءة هم بلا منازع الثروة الحقيقية والرأسمال الحقيقي للمجتمع، وبهم يمكن تحقيق التطور النوعي على جميع المستويات.
قرض التعليم الجامعي قد يكون من أهم ما تم إنجازه في مجال دعم حق التعلم لجميع أبناء المجتمع اللبناني بصرف النظر عن قدراتهم المادية، ولهذا يمكن اعتباره إنجازاً بارزاً وثمرة من ثمار التعاون بين مصرف لبنان والمصارف الوطنية اللبنانية. فبفضل هذه القروض لم يعد العلم حكراً على أبناء الميسورين والأثرياء، بل أصبح متاحاً لكل طالب جاد ومجتهد مهما كان وضعه المادي.

أما في بعض تفاصيل هذا القرض وشروط الحصول عليه فهي كالآتي:

-       عملة القرض الليرة اللبنانية
-       قيمته توازي 80% من قيمة الأقساط المتوجبة لغاية التخرج.
-       نسبة الفائدة 3% تحتسب وتسدد سنوياً.
-       يعفى القرض من جميع العمولات والمصاريف والأتعاب، بما في ذلك عمولة الملف والطوابع المالية.
-      الضمانة المطلوبة من قبل المصرف هي كفالة شخصية من ولي الأمر فقط، أو أية ضمانة مقبولة أخرى.
-      يبدأ تسديد القرض بعد سنة كاملة من تاريخ التخرج على ألا تتعدى مدة التسديد عشر سنوات.

وفي الشروط يكفي أن يكون الطالب مسجلاً في إحدى مؤسسات التعليم العالي المعترف بها رسمياً، وأن يكون قد أمضى في اختصاصه ما يكفي للتأكد من اجتهاده ورغبته في اتمام الاختصاص الذي بدأه، وأن يكون منصرفاً لدراسته بمعنى أنه لا يقوم بأداء أي عمل مأجور.    

يمكن للراغبين الإطلاع على الشروط المطلوبة لدى فروع المصارف اللبنانية كافة، مع الإشارة إلى أن المستندات المطلوبة لتقديم طلب القرض بسيطة جداً، ومنها:

- إفادة متابعة من الجامعة 
- إفادة بعلامات المواد التي أتمها الطالب
- إفادة سكن 
- بطاقة الهوية أو إخراج قيد إفرادي

يشترط للموافقة على القرض تقديم ضمانة للمصرف، قد تكون على شكل كفالة شخصية أو تأمين عقاري أو رهن مالي موازٍ لقيمة القرض. 


العلم طريق المعرفة ومصدرها، والمعرفة فعل تغيير ... إعرف تتغير!

2012/08/22

البيئة وتطوير المصرفية الإسلامية



مقتطف من كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق" للباحث سليم مهنا 
سليم مهنا خلال القاء كلمته في حفل توقيع كتابه
"العمل المصرفي" في بارك أوتيل شتورا 2009


لطالما اصطدم تسويق الخدمات المصرفية بجدار من المعتقدات الاجتماعية والدينية التي منعت ولا تزال فئة كبيرة من المواطنين من التعامل مع المصارف، من زاوية نظرتهم لعدم شرعية هذا التعامل وتعارضه مع معتقداتهم ومفاهيمهم الدينية، التي تعتبر أن الفوائد المصرفية هي شكل من أشكال الرِبا.
أمام هذا الواقع، وانطلاقاً من وجهة نظر تعتبر أن التعامل مع المصارف بأي شكل من الأشكال، يعتبر إسهاماً مباشراً في مساندة هذه المؤسسات وتشجيعها، وقبولاً بطريقة أو بأخرى بطبيعة عملها ومفاهيمها، حُرمت هذه الفئة من الناس، وهي ليست بأقلية، من الاستفادة من الخدمات المصرفية بعامة، وليس فقط من الخدمات التي تدخل الفائدة في أساسها كالودائع والقروض.
فالمشكلة لم تقتصر على مقاطعة المنتجات المكوِّنة للفوائد، بل تعدتها إلى الامتناع الكامل عن التعامل مع المصارف التقليدية بكل منتجاتها وخدماتها، ما أبعد شريحة كبرى من هؤلاء الملتزمين بالتشريع الديني عن أعمال المصارف، وحرمهم تالياً من الاستفادة من أنواع كثيرة من المنتجات التي وجدت أصلاً وتطورت لتسهيل أمور الناس، حتى منها تلك التي لا تدخل الفوائد في تكوينها ولا يتولد عنها الاتجار بالفوائد وقبضها أو دفعها. ولم يقف الأمر عند حد تحريم التعامل بالفوائد فقط، فقد بلغت المغالاة لدى البعض حد تحريم الدخول إلى المصارف لأي سبب من الأسباب، وتحريم التعامل بالأموال التي تمر عبرها بأنواعها وأشكالها كافة، واعتبارها "أموالاً ملوثة".   
لقد أدى هذا الوضع إلى التطلع نحو استنباط حلول دائمة تتيح لهؤلاء الناس أن يتعاملوا بالخدمات المصرفية ويستفيدوا منها، وفقاً لمفاهيم وإيمانهم وبما لا يصطدم أو يتعارض مع معتقداتهم الدينية. فكان الحل باللجوء إلى فكرة إنشاء مصارف لا ربوية تتوافق في عملها مع مفاهيم الدين الإسلامي، كونها تقوم على نبذ الرِبا بأشكاله كافة، وتحقيق العدالة في المجتمع بالاستثمار وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها، التي تتميز بأخلاقياتها في بناء المجتمع وتقويته، ونظرتها إلى المال على أساس أنه خادم للإنسان وللقيم الإنسانية، وليس هدفاً بحد ذاته، وله وظيفة اجتماعية لمصلحة المسلمين عامة في إطار توازن دقيق بين حفظ الملكية الفردية وحق التصرف، وبين حقوق الجماعة المسلمة.
فلا يمكن للمصرف أن يقدم خدماته إلى أنشطة تدخل في دائرة التحريم لما فيها من أضرار خطيرة تلحق بالمجتمع، مثل صناعة الخمور، وموائد القمار، والمخدرات، والبغاء والأنشطة التي تقوم على تربية الخنازير وذبحها وبيع لحومها أو الميتة أو الدم، وعليه الابتعاد عن أي نشاط ينطوي التعامل فيه على رِبا أو غش أو تدليس أو احتكار أو تزوير أو استغلال حاجات الناس أو تغرير أو ميسر أو رشوة أو إفساد للذمم وتخريب للنفوس، أو أي نشاط تشوبه حرمة، ومن ثم تكون جميع معاملات المصرف داخلة في دائرة الحلال، تراعي بشدة مبادئ الدين الإسلامي، فلا غبن في الأجور، ولا ظلم للعاملين، ولا مصادرة أرزاقهم أو تسخيرهم عبيداً مقابل إطعامهم وكسوتهم.    
بناء لهذه الرؤية نشأت المصارف الإسلامية ونمت بسرعة قياسية محققة قفزات نوعية في تطور خدماتها ومواكبتها للحداثة، مستفيدة من الالتفاف والاحتضان الشعبي لمفاهيم عملها ووسائلها وأساليبها، كما زادت أهمية المصارف الإسلامية بدرجة كبيرة، حيث بدأ عدد من المصارف الكبيرة بإدخال قسم الخدمات المصرفية الإسلامية إلى خدماته، في حين تحولت بعض المصارف كلياً إلى مصارف إسلامية. كما لقيت تجربة المصارف الإسلامية اهتماماً كبيراً من المصارف والسلطات الأجنبية، لناحية دراسة طريقة عملها ونظرتها للمنتجات والأعمال المصرفية، والطرائق التي تعتمدها لتوظيف الأموال المودعة لديها، خصوصاً من خلال مراقبة أدائها وتمكّنها من الصمود ومواجهة نتائج الأزمة المالية الدولية.
ورغم المنافسة الحادة التي واجهها من المصارف التقليدية، فقد شهد قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية، على حداثة نشأته، نمواً سنوياً متسارعاً، حيث من المتوقع أن يصل إلى تريليون دولار أميركي حجم أصول المصارف الإسلامية وودائعها عام 2012. وتجدر الإشارة إلى أنه رغم أن تسمية المصرف الإسلامي تعني نظرياً أن زبائنه هم المسلمون، إلا أن عمل هذه المصارف لم يقتصر على الزبائن المسلمين فقط، بل أنها تقوم باستقطاب وخدمة مختلف الزبائن دون حصر او تمييز.
مرة أخرى نجح التسويق في إيجاد الحلول التي تخدم العمل المصرفي بكل تشعباته، وأسهم في إتاحة الفرصة أمام المتعاملين ومساعدتهم في أعمالهم واستثمار أموالهم وتمويل مشاريعهم، وتقديم شتى أنواع الخدمات المصرفية بكفاءة عالية، بناء لمفاهيم موضوعية انطلقت من قراءة واقعية وملموسة وتحسس لمشاكل المجتمع وحاجاته وقيمه واعتباراته الخاصة.
وفي كل الأحوال، إن العمل التسويقي لا يتم بمعزل عمّا يحيط به، بل هو محكوم لدرجة عالية بما يجري في محيطه، ومرتبط تماماً بما يدور حوله من أحداث وأفعال، ولا بد لبناء استراتيجية تسويقية فعّالة وناجحة، من التعامل مع المعطيات المحيطة ببيئة المصرف الداخلية والخارجية بكثير من الجدية والواقعية، وتفهمها بعمق وتجرد، ومراقبة تجاوب المحيط وتفاعله مع الأحداث والمستجدات التي تجري محلياً وخارجياً، واستنباط أفضل الوسائل والطرائق التي تؤدي إلى إثارة اهتمامه، انطلاقاً من معرفة وفهم الخصائص النفسية ونمط العادات والتقاليد السائدة ضمنه.

2012/08/20

أزمة الخطاب والأسئلة المؤجلة


   بقلم الباحث الأستاذ منير مهنا

    يبدو المجتمع اللبناني غارقاً في طوفان من المشكلات والقضايا المجتمعية ،إلى درجة يصعب معها القول أن حقلاً من حقول الاجتماع اللبناني، لا تطاله أزمة ما، وفي العمق . وإذا كان جائزاً في سيرورة الواقع الاجتماعي المتغير أن تكون المشكلات ظاهرة وحاضرة ، كتعبير عن ديناميات التحول الاجتماعي من واقع له شروطه الخاصة إلى واقع آخر ، فان ما ليس طبيعياً في واقع مشكلاتنا وقضايانا الراهنة ، أنها ذات بنية مستمرة منذ عقود من الزمن ، وقد تحولت مع الوقت إلى ظواهر تحمل طابع " القضايا ـ الأزمات " ، وان ما يؤبّد وجودها واستمرارها يقع خارج منطق المعالجات التي تصدى لها الخطاب السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي من طروحات وحلول مقترحة ، والأمثلة على نوعية وطبيعة مشكلاتنا اكثر من أن تعد او تحصى، بدءاً من قضايا ومشكلات الواقع الاقتصادي بكافة جوانبه ، مروراً بالقضايا والمشكلات السياسية وما يتفرع عنها من أمور الدولة وأدارتها، وصولاً إلى قضايا ومشكلات الانتماء والهوية "للجماعات ـ الطوائف" كمنطلق مؤسس لعلاقة الفرد، مع الجماعة  ومع الذات،  في مواجهة الأخر.

  قد يبّرر البعض من أهل الثقافة أو السياسة وجود هذا الكّم من المشكلات في مجتمعنا بالعودة إلى بنية النظام الطائفي في لبنان وعجزه عن إدارة حياة وشؤون اللبنانيين منذ أن كان الانتظام العام خاضعاً لعلاقات الجماعات الطائفية فيما بينها ، وفي هذا السياق يبدو التحليل منطقياً إلى حّد ما، فالمشكلات عندما تُحال مرجعيتها المصدرية إلى أفق مقدس تصبح ذات طبيعة مغايرة للمنطق العقلاني في معالجة الأمور ، وتكتسب أبعاداً غير منظورة في منطق الخطاب الذي يتصدى لمعالجتها ، ويصبح " الخفي " من امر مشكلاتنا اكثر أهمية من " المعلن " عنه ، لا بل اكثر توجهياً للخطاب نفسه من حيث مضمونه التعبيري عن نوايا واهداف كامنة وذات منحى نفسي، غير متوازن ،ودائم القلق والخوف من الحاضر والمستقبل.

   إن وضوح الرؤية شرط لازم لتأسيس قاعدة اليقين، فإذا التبست الرؤية في النظر إلى الوقائع والمعطيات فان من البداهة أن تأتي النتائج  منحرفة عن مسارها اليقيني ، خارجةً عن مألوف المنطق والقياس وبعيدة عن ما ينتجه العقل من تعليلات واحكام . والحقيقة التي نرتجي ظهورها وإعلانها في رؤية الحلول لمشكلاتنا وقضايانا تتحول أمام انحراف قياسنا المنطقي عن جادة اليقين والوضوح ، إلى مجرد أوهام نعجز عن الإمساك بها أو البناء عليها، وبالتالي تفقد مشكلاتنا كمّاً ونوعاً اية معايير أو ضوابط عقلانية وتتحول من مسارها المعقول لتدخل في فضاء عبثي من الحوار والجدل السفسطائي حول جنس الملائكة وما يأكلون ويشربون !!

   أن الخاصية الملازمة لمشكلاتنا في لبنان أنها دائما بلا معايير أو ضوابط ، تنشاء من مشاع الكتلة العمياء للسلطة في علاقتها مع المجتمع ، فلا هي محصورة بزمن تبداء منه ،أو وقت تنتهي عنده . عمياء التوجه والتوسع والانتشار ، وهي بلا سقف تقف دونه أو مرجعية تحتكم إليها في مسارها والمآل ، وفاعل الأزمة موسوم بقدرة التخفّي خلف دوائر المقدس الديني أو العصمة عن الخطاء السياسي أو المحظور من التداول ، ودائماً هي اقّل من مشكلات اكبر، بانتظار أن تصبح هي أمّ المشكلات ، فالنار حين تندلع شرارتها الأولى يمكن السيطرة عليها ، ولكنها مع الإغفال تصبح جهنم ، ولو سألنا : من المسؤول ؟ ... لكان الجواب ضمير غائب من شاهد زور.
   ومن نافل القول أننا نعيش في واقع يهيء لأيّ مشكلة قدرة التحول إلى أزمة . كيف لا ، وأزماتنا مشاع مملوك لكل تفسير ذرائعي يأخذ الحجة من سكون الغفلة ليواجه بها حركة الحياة ، ويريد لروح وجودنا أن تبقى في خلاصها مرهونة لخطاب مزين بشتى أنواع الطلاسم والتعاويذ . كيف لا، وأزماتنا تتناسل تحت جنح الظلام خشية أن ينكشف سحر الساحر أمام جمهور المشاهدين فيخرجون عن طاعة الوهم إلى يقظة العقل.
 
إن استمرارنا اصبح اليوم على المحّك سلطةً ومجتمعاً ، والسيل قد بلغ الزبى ، والأزمات تحيق بنا من كل حدب وصوب ، وما زلنا نصّر على استخدام منطق النعامة وإخفاء الرأس في الرمل خوفاً من مواجهة حقيقة عدم قدرتنا على الاستمرار وفقاً لمناظير الرؤية الزائفة لواقعنا المأزوم ،بتخلفه عن معايير العقل وضوابط العقلانية، وعن أن الفينيق الذي نرتجي قيامته في وطننا يحتاج إلى معجزة لن تُحدثها الأكاذيب وتزييف الحقائق.

  أن ما نحتاجه لقيامة وطننا هو القراءة في كتاب انسانه قراءة صادقة، تعلي من شأنه الإنساني انتماءاً ومصالح، والقراءة في صيرورة تاريخنا كله لنكتشف ما لنا من مآثر وما علينا من واجبات ، متخلين عن  قراءة واقعنا وفقاً لأبجدية الخوف من التغيير ومن المضي نحو المستقبل، فالواقع إنما تصنعه كلماتنا قبل أفعالنا ويحدده خطابنا تشكيلاً وتفصيلاً ، لما نريده أن يكون، فيكون.

  أن بعض حقيقة الأزمة فينا ، إنها أزمة خطاب مخادع لم يعد مجدياً تكرار أبجديته الملعونة ، فلا سامعه يؤمن بما يسمع ولا قائله يكفّ عن ترداده الكاذب لما يقول . ونحن شعب يشهد على قدرة القول الحق أن يدفع الناس إلى ممارسة البطولة والفداء دفاعا عن الأرض والكرامة وحباً للحياة.  

    لبنان اليوم ، يحتاج إلى لغة جديدة معيارها العقل، ومنطقها الصدق والوضوح والمباشرة ،وغايتها مصلحة هذا الوطن عينه، باعتبار مصلحة الجماعة الإنسانية الواحدة فيه  فوق كل مصلحة فردية ـ أنانية أو طائفية ـ إقطاعية ، أو مالية ـ اقتصادية لشريحة من الناس على حساب كل الناس ، أو لمنطقة تستأثر بالخير العام لذاتها دون غيرها من المناطق . واكثر ما يحتاجه لبنان أن يشهر الناس في وجوه المخادعين سيوف الصدق واخلاق الأيمان فلا يعامل الكافر والسارق معاملة المخلص والصادق ، وان يتشدد عزم العازمين على خوض معركة خلاص لبنان من جور لغة النفاق وأهله .... فهل آن أوان العبور نحو لبنان الجديد ، أم أن لغة الانتظار ما زالت تستوقف فعلنا .. والى متى ؟.....  أسئلة  تلّح علينا الإجابة عنها وقد أجلّناها منذ زمن مديد.

                              راشيا 8/8 /2011                              منير سعيد مهنا



الإنفاق في الأزمات أكثر جدوى


سليم سعيد مهنا
باحث مصرفي ومؤلف كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".

ما أن انفجرت الأزمة المالية العالمية مطلع العام 2008 حتى دخل الاقتصاد العالمي في ركود قوي، وانخفض النمو انخفاضاً غير مسبوق لم تسلم منه حتى تلك الدول التي كانت تشهد نمواً اقتصادياً عالياً ومستمراً مثل الصين والهند. حينها تفاعلت الأزمة فانخفضت الصادرات والواردات، وجفت منابع السيولة المحركة للاستثمار، وانخفض الإنتاج والاستهلاك حول العالم، وانهار العديد من الشركات وأفلست مصارف ومؤسسات مالية كبرى، فضاعت آلاف مليارات الدولارات في انهيارات البورصة، وزادت أعداد الفقراء والعاطلين عن العمل في أسوأ أزمة شهدها العالم منذ ما عرف بأزمة الكساد الكبير عام 1929.
في خضم هذه الظروف لم يكن هدف المعنيين الخروج من الأزمة بأسرع وقت ممكن وحسب- وإن كان التركيز على هذا الهدف سياسياً وإعلامياً مفهوماً بسبب التداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي صاحبت الأزمة- إنما بدأ البحث عن أسبابها ونتائجها المتوقعة، والتخطيط لما بعدها، حيث تركزت الجهود على تحفيز النمو الاقتصادي من خلال خطط منسقة للإنفاق الحكومي، وحظي القطاع المالي بالأضواء والتركيز الإعلامي المستمر.

تشجيع النمو

يدرك الخبراء أنه في أوقات الركود الاقتصادي لا يتوجه الاستثمار إلى الإنتاج، فعوامل العرض والطلب عندها لا تشجع قيام المشاريع الجديدة. في تلك الظروف ينخفض الإنفاق الخاص وتظهر الحاجة إلى الإنفاق العام، وهنا يصبح الاستثمار في البنى التحتية من أكثر منافذ الإنفاق جدوى، حيث يسهم الإنفاق الحكومي في أوقات الركود في تحفيز النمو من خلال السيولة الناجمة عن التمويل الاستثماري، هذا على المدى القصير، أما على المدى المتوسط والطويل فيساعد في زيادة الطاقة الاستيعابية للاقتصاد ورفع كفاءته وزيادة تنافسيته، ويعمل على تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، إذ يتوقع أن يتزامن استكمال مشاريع البنية التحتية مع الوقت الذي يبدأ فيه الاقتصاد بالتعافي، فتكون الفرص مهيأة لعودة الانتعاش مجدداً بالنظر للعلاقة الطردية بين التقدم الاقتصادي وتوفر البنى التحتية الحديثة والمتطورة.

تنمية اجتماعية متصلة

إن توفر البنى التحتية الأساسية في قطاعات النقل والمواصلات والاتصالات والطاقة والمياه وغيرها، يعتبر عنصراً مهماً ليس فقط في مجال التنمية الاقتصادية، وإنما أيضاً في التنمية الاجتماعية وفي استراتيجية مكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية. ما لم تتوفر هذه البنى المتطورة فإن جهود تحقيق التنمية المستدامة ورفع معدلات النمو الاقتصادي إلى المستوى الذي يحقق ارتفاعات متتالية بمستوى الدخل، تصبح جهوداً غير مجدية. كيف يمكن للتنمية أن تنجح وللاقتصاد أن يزدهر إذا لم يتم ربط مناطق الإنتاج والتجارة والاستيراد والتصدير وبيئة السياحة والسفر والخدمات، ببنية تحتية متطورة كماً وكيفاً؟ وبعيداً عن الاقتصاد، كيف يمكن تعزيز فرص بقاء الناس في بلدهم، أو عودتهم إليه، بدون تلك المقومات الحيوية الأساسية؟
لسنا بحاجة للبحث عن دليل بعيد لإثبات مصداق هذه النظرية الاقتصادية الواضحة وضوح اليقين، فالتجربة اللبنانية هي الأقرب والأوضح بعد أن فوَّت لبنان فرصة ذهبية للنهوض واستعادة دوره في المنطقة، حين تمكن اقتصاده وبأعجوبة لا تفسر أن يتجنب تداعيات الأزمة ويحقق فورة عقارية ومالية ملفتة، تمثلت بارتفاع أسعار العقارات والتدفق الكثيف للودائع المصرفية، ولكن ومع غياب الخطط الحكومية المواكبة وتراجع الإنفاق الاستثماري في بناه التحتية، وأبرزها الكهرباء، تلاشت مفاعيل هذه الطفرة وتبخرت الأحلام مجدداً لتتدحرج كرة الخسائر من قطاعي الزراعة والصناعة إلى قطاع الخدمات، خصوصاً السياحة، التي عانت في العام الحالي ما لم تعانيه في أسوأ الأوضاع التي مر فيها البلد.
وإلى البنى التحتية الاقتصادية التقليدية، فإن التقدم يتطلب الاهتمام بالبنى الإدارية والقضائية وحتى الأخلاقية، لكونها تمثل البيئة الضامنة لقيام الاستثمارات وتشجيعها، عبر مكافحة الفساد وقيام القضاء العادل والنزيه، وتسهيل إجراءات إنشاء الأعمال وتطويرها، إضافة لتعزيز منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية ووعي الأفراد لأهمية دورهم في تنمية بلدهم وخطورة تخليهم أو تلكئهم عنه. هذا المناخ يجب أن يبدأ من أعلى أجهزة الدولة إلى آخر موظف فيها، مروراً بالمطار والموانئ والمطاعم والفنادق والتجار وسائقي الأجرة، وصولاً الى أبعد وأفقر  "بويجي" في أزقة بيروت.
إن قيام الدولة بمسؤولياتها ودورها في رعاية وتنظيم الأنشطة الاقتصادية وتوفير البيئة الملائمة لعملية التنمية، سواء عبر البنى التحتية المتقدمة أو عبر الإجراءات والسياسات والقوانين التي ترعى مصالح المواطنين وتسهم في تمكين القطاع الخاص وتفعيل دوره في الناتج المحلي وتشغيل العمالة، هو نشاط أساسي ومحوري يقع في أساس مهام الدولة الحديثة، فبهذه المهام والخطوات يمكن إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد وزيادة موارده، وحل مشاكل الإنفاق العام والدين العام، وليس بزيادة الضرائب على المواطنين والقطاعات الإنتاجية المنهكة أصلاً، ولنا في قول الإمام علي (ع) مثالاً نقدمه على هذا البعد التنموي: "وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد."
9 نيسان 2010 
نشرت في جريدة البناء اللبنانية وفي مجلة الإعمار والاقتصاد

القروض الشخصية تعزز النمط الاستهلاكي للمجتمعات


سليم سعيد مهنا
باحث مصرفي ومؤلف كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".

ظاهرة المجتمع الاستهلاكي ليست بالجديدة لدى معظم شعوب العالم وبالأخص شعوب الدول النامية، هذه الظاهرة التي تنامت مع زيادة إنتاج السلع والخدمات الاستهلاكية وتقدم وسائل الدعاية والإعلان وزيادة سطوة الإعلانات التجارية، ومع تطور التسويق وانتقاله من العمل على تلبية الحاجات بما هو متاح من منتجات، إلى محاولة اكتشاف الحاجات والرغبات وخلقها وتلبيتها بمجموعة من المنتجات والخدمات الجديدة والمبتكرة، لتصبح مع الوقت ضروريات لا يمكن الاستغناء عنها.
هذا النمط من العادات الاستهلاكية أدى إلى تطور أساليب البيع بالتقسيط وتنوعها، وإلى ابتكار أنواع جديدة من التسهيلات التجارية كان للمصارف المجال الأكبر فيها، سواء عبر قيامها بمنح القروض الشخصية المباشرة لعملائها، أو عبر تمويل شراء السلع والخدمات الاستهلاكية وجدولتها لآجال طويلة.
إن توفر السيولة العالية وعدم تمكن المصارف من استخدام فوائضها النقدية في تمويل الشركات Corporate banking تجنباً لما يعرف بالتركيز الائتماني Concentrated credit exposure ، أي تركيز التمويل على الشركات الكبيرة وتحمُّل أخطار عالية، وأيضاً رغبة المصارف في توزيع الأخطار على شريحة واسعة من العملاء فيما يعرف بالأعمال المصرفية بالتجزئة banking Retail ، هي من أسباب فورة القروض الشخصية المصرفية التي بلغت مبلغاً كان من الصعب لأحد توقعه، بحيث وصلت الى سقوف مالية مرتفعة وآجال طويلة جداً (25 عاماً في أبو ظبي)، ولأغراض مختلفة لم توفر حتى عمليات التجميل والإنجاب (الخصوبة) وقد يكون الآتي أكثر خيالاً وأشد دهشة.
ولم يقتصر منح القروض والتسهيلات على المصارف فقط، فقد تعددت وسائل الحصول على القروض وبرزت جهات تمويل أخرى لعبت دور الوسيط بين المستهلك والمسَّوق عبر بعض المنظمات غير المصرفية، وأيضاً عبر التسهيلات المباشرة من الشركات والمحلات التجارية، إضافة الى قروض منظمات العمل (سلف الموظفين)، كذلك السلف الخاصة بين الأصدقاء والجمعيات.
هذه التسهيلات الائتمانية توزعت بين قروض استهلاكية وقروض استثمارية، حيث يهدف القرض الاستهلاكي إلى تغطية نفقات لا يمكن رسملتها او استردادها كنفقات الزواج والترفيه والسياحة والسفر...، فيما تكون غاية القرض الاستثماري الحصول على ممتلكات ملموسة وبناء ثروات رأسمالية تحقق لمالكها عائدات من خلال ارتفاع قيمتها او تشغيلها، كتملك العقارات والمعدات او التجهيزات.

    الآثار الايجابية والسلبية للقروض

 مما تقدم، يبدو جلياً أن المصارف وغيرها من المؤسسات المختصة التي تقدم التمويل للأفراد، إنما تلعب دورا بارزا في إتاحة الفرصة للإفراد لسد حاجاتهم وبناء ثروات رأسمالية ودعم الاقتصاد الوطني، إلا أن هذا المشهد لا يخلو من تشوهات غير مرغوب فيها، ولا بد من الوقوف عندها لما لها من آثار سلبية اقتصادية واجتماعية.
بشكل عام تتلخص الآثار الاقتصادية السلبية في أن نسبة كبيرة من القروض الشخصية قد اتجهت بالأفراد نحو شراء منتجات استهلاكية وأصبح مدى أو فرصة شراء أصول رأسمالية ضيقاً، وفي حالات عديدة يضطر المستهلكون أو المقترضون فيها إلى تسييل أملاك وأصول موروثة بغرض الوفاء بالتزاماتهم تجاه مقرضيهم من المصارف أو من الآخرين، كما أن بعض الحالات تظهر أن صافي الدخل الشهري لبعض الأفراد المدينين قد لا يتجاوز المائة دولار شهرياً بعد اقتطاع التزاماته تجاه دائنيه، وهو ما يفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية القائمة أصلاً ويؤدي لاحقاً إلى ركود في الأسواق بسبب انخفاض القدرة الشرائية لهذه الشريحة الواسعة من المقترضين، كما تظهر الآثار الاقتصادية السلبية في زيادة استيراد المواد الاستهلاكية من الخارج وزيادة الضغوط على ميزان المدفوعات.
أما الآثار الاجتماعية السلبية الملموسة فهي تكمن في تعميم ثقافة الاستهلاك إلى درجة تمس بالأمن الاجتماعي وتهدد بزعزعة أمن واستقرار كثير من الأسر نتيجة النمط الاستهلاكي الذي أصبح يتجاوز الامكانيات المادية لمعظمهم وتوسعهم في الاعتماد على القروض والسلف التي قضت أو أشبعت حاجات آنية لهم، كما يمكن لهذا الوضع أن يزداد تأزماً وأن يؤدي إلى أزمات معيشية أكبر وإلى تعثر كثير من هؤلاء المقترضين، في حال ارتفاع أسعار المواد التموينية وغيرها من المواد الأساسية عند وقوع كوارث طبيعية او اضطرابات عالمية، أو في حالة انخفاض سعر صرف العملة الوطنية.
لقد بينت الدراسات زيادة نسبة المقترضين حول العالم (نسبة 85% من المقيمين في دبي مدينون للمصارف) وهذا يدل على عدم كفاية الدخل الفردي في كثير من الأحيان ورغبة المقترض في سد احتياجاته المادية بسرعة، كما يدل على تغير أنماط الحياة لدى معظم شعوب العالم وإلى تراجع فكرة التوفير الشخصي التي ظلت حتى الثمانينيات من القرن الماضي هي الأساس في تمويل المشاريع الشخصية للأفراد.

ما الحل؟

هذا النمط من الاقتراض الاستهلاكي المتنامي، قد لا تتوقف آثاره السلبية عند حدود معروفة يمكن ضبط نتائجها والتحكم بها، لذا فإنه من الضروري البدء بخطوات وقائية وإصلاحية تحد من انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية وتمنع تفاقمها، وربما يكون للمصارف القدرة الأكبر على ضبطها ومعالجتها ومحاولة السيطرة عليها، بدأً بالتركيز على الإقراض الرأسمالي لتحسين ظروف الأفراد في المستقبل، ووجوب عدم التراخي في شروط منح القروض للأفراد والتوقف ملياً عند دراسة وضع المقترض المستقبلي وليس الحالي فقط، والأخذ بالحسبان الخلل بين قيمة ارتفاع كلفة المعيشة وراتب المقترض خلال فترة التسديد، وعدم الوقوع في فخ التنافس بهدف زيادة الحصة السوقية.
أما على صعيد الدولة والمؤسسات الأهلية، فيتوجب إصدار تشريعات مصرفية تسمح للمصارف بتنويع استثماراتها في منافذ استثمارية إنتاجية مدروسة، للحد من أثر المبالغة في استخدام السيولة الزائدة في القروض الاستهلاكية للأفراد، وبناء حملات ترويجية موجهة للمستهلكين تزيد من ثقافتهم حول الموضوع، كما ينبغي تفعيل دور جمعيات حماية المستهلك في توعية المواطنين لأفضل طرائق الاقتراض وأنواعها، وتوجيههم نحو القروض التي تزيد من إنتاجيتهم وليس استهلاكهم.


نشرت في العديد من المجلات الاقتصادية والصحف والمواقع الالكترونية بتاريخ 15-8-2010



الأزمة المالية ودور وكالات التصنيف


مئات بلايين الدولارات ضاعت في حمّى أسوأ أزمة مالية عرفها العالم منذ ثمانية عقود، في وقت يعاني العالم أزمة غذاء وارتفاعا في أسعار المواد الاستهلاكية، وتحذر الأمم المتحدة من تأثيرها السلبي على تمويل برامج مكافحة الفقر. وفيما تتجه الأنظار لمعرفة النتائج العملية لخطط الانقاذ المالي، أسئلة كثيرة تطرح على المستويات الشعبية فحواها القلق على المصير وهل سيحاسب المسؤولون عن هذا الزلزال المدمر، وكيف بدأت الأزمة ولماذا وكيف انتشرت مثل النار في الهشيم؟

هذه الأزمة التي التهمت تريليونات الدولارات من ثروات الأفراد والمصارف والحكومات، تعود جذورها إلى منتصف التسعينات، عندما بدأت المصارف الاميركية تسرف في التسليف لشراء أصول عقارية ومالية وتصدر سندات وتربطها بمشتقات مالية وتعيد التسليف عليها وتبيعها في الاسواق. بكلام مبسط لجأت هذه المصارف في تلك الفترة الى إعطاء قروض ميسرة لبناء المساكن بفوائد لم تتجاوز 1%، ما أدى الى نمو كبير في حركة عرض المساكن والطلب عليها، والى فورة عقارية شكلت عامل جذب للاستثمار في هذا القطاع.
كل شيء سار طبيعياً حتى بداية الألفين عندما رفع المركزي الأميركي أسعار الفوائد، إلى ما بين 4 و4.5%، ما حمّل المقترضين أعباء إضافية عجزوا عن الوفاء بها، واضطر الملايين منهم الى التوقف عن الدفع والتخلي عن منازلهم للمصارف المقرضة. ومع ارتفاع الفوائد ارتفعت كلفة شراء البيوت ما احدث حال ركود وتراجع دراماتيكي في الطلب، فتراجعت أسعار المنازل وتراكمت الديون المستحقة للمصارف ما أوقعها في أزمة سيولة.
وفيما كانت موجة الإقراض السكني في أوجها، أصدرت المصارف سندات في مقابل القروض، وطرحت السندات للاكتتاب فأقبل عليها المستثمرون على أساس أنها مضمونة بالبيوت. ولما كانت هذه السندات تعطي عائداً مجدياً، توجه المستثمرون إلى صناديق الاستثمار وباعوها إياها بضمانة البيت أيضاً. ومع توسع عمليات الإقراض السكني توجهت المصارف إلى شركات التأمين للتأمين على السندات، فقبلت الشركات الطلب كون السندات مضمونة بالبيوت، وهكذا بات البيت يشكل ضمانة لأربع جهات هي المصرف المقرض، المستثمر، صندوق الاستثمار، وشركة التأمين.
لقد عملت هذه المصارف بمنأى عن أي ضوابط ومنفلتة من أي رقابة، إلا أن أجهزة الرقابة الأميركية كانت تعرف بهذه الممارسات، ومع ذلك غضت النظر عنها انطلاقا من مبدأ حرية السوق ومن فلسفة ان قانون السوق والياتها كفيلة بتنظيم عملها، وربما أيضا عن سوء تقدير لقدرة السوق على الصمود. كما أن النتائج الايجابية لتي حققتها البورصات شجعت الناس العاديين على الدخول في هذه المغامرة من غير دراية بأصولها ومخاطرها فبات العمل يشبه المقامرة إلى درجة الرهان بكل شيء.
تعتبر عمليات التسنيد عمليات معقدة، حيث لا يمكن تغليف الديون وإعادة بيعها دون إضافة تحسينات على الأوراق والسندات المالية الناتجة عنها. وهنا يأتي دور وكالات التقييم الخارجي لمخاطر الائتمان، أو ما بات يعرف بوكالات التصنيف، وأبرزها شركة موديز وشركة ستاندر أند بورز وشركة فيتش، حيث كان لها الدور الأهم في نشوء وتطور عمليات التسنيد وإعادة التسنيد.
لقد لعبت هذه الوكالات الدور الأخطر في الأزمة بإجماع كل المراقبين المصرفيين والماليين وحتى الاقتصاديين، فعدم القدرة أو التقصير الفاضح أو حتى التواطؤ في عملها، كان السبب الأبرز في تضليل المستثمرين من مصارف ومؤسسات مالية، عندما أعطت أفضل وأقوى درجات التصنيف الائتماني لتلك الأدوات المالية المركبة والمعقدة المنشأة على أصول ائتمانية مسمومة هي القروض السكنية العقارية لذوي الملاءة الائتمانية السيئة، وقد طرحت أسئلة كثيرة تدور جميعها حول مصداقية عمل هذه الوكالات، منها:
- كيف يمكن لهذه الشركات تقديم حكم مهني موضوعي مستقل وموثوق في درجة المخاطر الائتمانية لأي أداة وهي تتقاضى بدلات أتعابها من مصدري هذه الأدوات؟
- كيف يمكن الركون إلى هذه التصنيفات واعتمادها مرجعاً في تقدير المخاطر وهي تعمل دون رقابة من أي سلطة أو هيئة حكومية؟
- كيف تخلت المؤسسات المالية العالمية ومنها المصارف على وجه الخصوص، عن مهمة تقييم المخاطر الائتمانية للأصول والأدوات المالية التي تقوم بالاستثمار فيها؟
- كيف شجعت السلطات الرقابية الاعتماد المفرط على التصنيفات التي تعطيها هذه الوكالات؟
أما الدروس التي يؤمل أن يكون استخلصها كل من المسؤولين والأسواق، فهي ضرورة تحويل جزء كبير من التمويل إلى القطاعات الاقتصادية المنتجة لا سيما في الصناعة والزراعة بدلا من تمويل الاقتصاد الريعي، الذي بينت الأزمة انه اقتصاد الفقاعات المبني على الرغبة في الربح السريع وغير القادر على الصمود أمام أي تبدل في معطيات السوق.
هل آن لكابوس الأزمة المالية الذي خيم على العالم ان ينتهي؟ وهل يكون العالم، قادة ومسؤولين، اتعظ من تداعياتها لتفادي خطر الوصول الى الانهيار المالي شبه التام، وتراجعَ خطوة حقيقية إلى الوراء في دعم ممارسة سوقية خارج الأصول والأنظمة؟

سليم سعيد مهنا – باحث مصرفي ومؤلف كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".
نشرت في العديد من الصحف والمواقع الألكترونية
2-1-2010 


Overview of the Consultative Studies Center


Consultative Studies Center

Sound opinion based on thorough examination ….!

Are you looking for a chance to invest in a successful project?
Do you have an idea for any project but you are afraid of taking risks or you lack the required experience?
Consultative Studies Center opens future horizons for you in cooperation with a group of expertise and specialists in various fields in order to offer you help to accomplish your ambitions and dreams.
The center role:
- Set up economic feasibility studies
- Study available investment opportunities
- Carry out statistical field studies
- Evaluate institutions performance and present efficient proposals
- Train individuals and prepare leading workforces

The center aims at activating local development process through encouraging the accomplishment of promising development projects, increasing institution competitive capacities as well as putting an end for losing opportunities to carry out good projects as a result of lack of information and required marketing studies.

Center characteristics:
- Accuracy of research and information
- Variety of research tools and sources
- Group cooperation to come up with scientific and right conclusions

Make use now of the Consultative Studies Center services and let us contribute together to develop our society and build a real economic based on production.

For more info:  call us on: 08/ 591595 – 03/ 261040  – 70/ 682850
Lebanon- Bekaa- Rashaya Al Wadi- Akaba crossing – P.O. Box 2-33 Salim Mhanna Bldg.

لمحة عامة حول دور المركز وأهدافه



أمام عصر سمته التسويق واكتشاف الفرص، وفي أجواء التنافس الشديد الذي تشهده الأسواق، لم يعد بالإمكان لأي مشروع أو منتج أن يسلك طريق النجاح بدون تخطيط ودراسة علمية وتسويقية مسبقة، تأخذ بالاعتبار وضع السوق ومتغيراته، تجارياً وبيئياً وجغرافياً واجتماعياً واقتصادياً.
كما أن تحسين مستويات الأداء والجودة لا يتحقق إلا من خلال رفع كفاءة العنصر البشري وتنمية قدراته، حيث أن تجارب عديدة تؤكد بما لا يقبل الشك أن الاستثمار الحقيقي لإحداث التنمية هو بالإنسان نفسه.
ضمن هذه الرؤية الهادفة يعمل مركز الدراسات الاستشارية في سبيل خدمة أصحاب الأفكار الخلاقة والطموحة وأصحاب المشاريع الإنتاجية التنموية، من خلال:

 إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية
 دراسة فرص الاستثمار المتاحة
 القيام بالدراسات الإحصائية الميدانية
 تقييم أداء المؤسسات وتقديم الاقتراحات الفعالة
 تدريب الأفراد وتهيئة الكوادر القيادية.

إن التزامنا بالدقة والواقعية في إجراء الدراسات واستخلاص النتائج المفيدة والواضحة، يستند إلى قاعدة علمية بحتة تدرك أن البحث والتحليل هو تنقيب عن الحقائق، وليس سعياً وراء فكرة سبق تكوينها والتغاضي عن دليل يثبت العكس، وهو التزام ثابت تجاه زبائننا تضمنه المهنية العالية لخبرائنا وموظفينا ومعارفهم الواسعة والمتنوعة، ويؤكده التزامنا الدائم بالمعايير العلمية للتقييم ومصادر المعلومات.

مركز الدراسات الاستشارية

رؤيـة... ورأي!


للاتصال:
هاتف: 08/591595 – 03/261040 – 70/682850
لبنان – البقاع – راشيا الوادي - مفرق العقبة – ص.ب 2/33 .

2012/08/19

البراغماتية، ماذا تعني؟


يترجم مصطلح البراغماتية إلى العربية بمصطلح الذرائعية، ولكن هذه الترجمة غير دقيقة لأنها لاتعكس جوهر الكلمة الأجنبية، بل تقدم جزءاً من معناها فقط. أما المصطلح العربي الأقرب إليها فهو "النفعية".
تعرف البراغماتية بأنها طريقة حل المشكلات والقضايا بواسطة وسائل عملية. وهذا التعريف وسيلة براغماتية بحد ذاته، لأنه محاولة لإخفاء جوهرها القائم على قياس كل عمل أو شيء، أو حالة، بما تحققه من فائدة أو ضرر، والسؤال هنا هو من يقرر الفائدة والضرر؟ إنه الشخص المعني معتمداً على معاييره الخاصة كأداة لتقييم الأعمال والأشياء، ومن ثم يفقد الشيء خصائصه الموضوعية، حين يصبح الحق نسبياً، حسب الشخص المتعامل معه، وليس حالة تحددها عوامل موضوعية، ويصبح عرضة لثقافة ومزاج ومصالح ونوعية قيم الشخص ذاته.

أصل البراغماتية‏

يمكن رصد المعاني المختلفة السائدة للبراغماتية في المجالين الاجتماعي والسياسي، ففي الغرب بشكل عام، يضعون البراغماتي مقابل الإيديولوجي، وكنقيض له، فحينما تقول "هذا الإنسان إيديولوجي"، فإنك تقصد أنه يتقيد بمنظومة أفكار وأهداف ثابتة تحدد مواقفه العامة سلفاً، كالوطنية والقومية والدين. مقابل هذا النمط يقال "هذا الرجل براغماتي"، ويقصد بذلك أنه متحرر من كل إيديولوجيا، أو موقف مسبق، ويتصرف وفق اللحظة أو الظرف، مستهدياً بما ينفعه ويضره هو شخصياً. لذلك فالبراغماتية، أساساً، هي منطلق فردي تماماً.‏
وازدهار هذه الفلسفة في أمريكا يفسر وبوضوح جوهرها، فأمريكا ليست دولة ذات هوية قومية، كفرنسا وايطاليا مثلاً، بل هي ملاذ تجمعات مهاجرين، تركوا بلدانهم الأصلية من أجل الرزق، أو تم نفيهم إليها من السجون التي اكتظت بالمجرمين، أو من الهاربين من الاضطهاد الديني، لذلك كان طبيعياً أن تختلف، بل وتتناقض ثقافاتهم ودوافعهم، وهنا برزت أهمية وجود فلسفة تلبي رغباتهم المختلفة، فازدهرت البراغماتية لأنها تخاطب وتستجيب للمصلحة الفردية وتمنحها غطاء المشروعية الذاتية.‏
يستخدم هذا المصطلح في السياسة، فيقال: فلان براغماتي، والحركة الفلانية حركة براغماتية، وفي أغلب الأحوال يقصد بها النفعية أو العملية...‏
أما من ناحية تاريخ الفكر فالمصطلح يشير إلى تلك الحركة الفلسفية التي ظهرت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وارتبطت بأسماء الفلاسفة الأمريكيين بيرس ووليام جيمس وجون ديوي والتي تتمركز فلسفتها حول مقولة مؤداها:‏
لا يمكن التوصل إلى معاني الأفكار، ومن ثم لا يجب تفسيرها، إلا بالنظر إلى النتائج المترتبة عليها، كما أنه لا يمكن تحديد المعتقدات أو تبرير التمسك بها إلا بالأخذ في الاعتبار النتائج العملية المترتبة على الإيمان بهذه المعتقدات‏.......
فالحقيقة إذاً ثانوية إذا ما قورنت بالممارسة العملية، ذلك أن الحقيقة وفقاً للنظرية البراغماتية ما هي إلا الحل العملي والممكن لمشكلة ما، كما أن المبرر الوحيد للإيمان بأي شيء، هو أن التمسك به والعمل وفقاً له يجعل الفرد في وضع أفضل مما لو لم يكن متمسكاً به.‏
أما بصورة أوسع فالمصطلح يستخدم للإشارة إلى أي مدخل يركز بالأساس على ما يمكن عمله في الواقع لا على ما يجب عمله بالنظر إلى عالم المثاليات.

سليم مهنا
باحث اقتصادي – مؤلف كتاب العمل المصرفي واستراتيجية التسويق

قراءة الوجوه


يا بني، تعلم لغة الوجوه ...!!

يحكى إن أحد الحكماء أوصى إبنه قائلاً: يا بني، تعلم لغة الوجوه !! أما اليوم فقد أصبحت لغة الوجوه أو لغة الجسد علماً يُدرس في الجامعات. لقد أبدى أبقراط وأرسطو ملاحظتهما بأن شخصياتنا تُبرز الاختلاف بيننا، وبأن الجسد والكلمات والإيماءات تستخدم ككل واحد في عملية التخاطب، وقد ركز عالم الأنثربولوجيا غريغوري باتسون على فكرة أن الكلمات تستطيع أن تصور أفكاراً مجردة، بينما تمتلك لغة الجسد وظيفة مختلفة وهي إظهار العواطف، فبينما قد يحمل التعبير اللفظي خطأً في نقل الفكرة أو تضارباً بين معنى الكلمة والمقصود منه، فإن لغة الجسد تنقل المقصود بصدق ودون مواربة.

إذا كنت غير متأكد مما يقصده محدثك، اعتمد على قراءة لغة جسده لتخبرك الحقيقة بدلاً من كلماته، فقد أثبت عالم النفس ألبرت مهرابيان أن حوالي 7 الى 10% من المعاني التي توصلها لغة تخاطبنا تأتي من خلال الكلمات الملفوظة، بينما يصل 38% من المعنى عبر طريقة اللفظ أي اللهجة ومستوى الصوت وسرعته، أما النسبة الباقية أي 55% فتأتي من إيماءات وتعابير الوجه والجسد وهي بالأغلب فطرية تطورت لدينا كجزء من سلوكنا اللاواعي، وهي تمثل لغة عالمية لا ترتبط بالمكان الذي يولد فيه الشخص او بجنسه وأفكاره.

حركة العيون:
عند تخيل صورة بصرية في الذهن فإن العيون تتحرك للأعلى، فهي تتحرك يميناً عند تشكيل صورة بصرية خيالية، مثلاً: "كيف ستبدو سيارتي إذا دهنتها باللون الأزرق؟" وإذا حاولت تذكر صورة بصرية تجد أن عيونك قد تحركت نحو الأعلى يساراً، مثلاً: " كيف تبدو غرفة نومي؟"
حديث النفس:
إذا قمت بتحريك عينيك إلى الأسفل وليسارك، فأنت تفكر عموماً بالعالم من حولك وتحاول أن تفهم كل شيئ من خلال محادثة تجريها مع ذاتك.
وإذا قمت بتحريك عينيك إلى الأسفل وليمينك، فأنت تستخدم مشاعرك. أنت تسأل نفسك: "كيف هو شعوري حيال ذلك"؟
إيماءة الرأس:
أكثر حركات الرأس شيوعاً في المحادثة اللامحكية هي الإيماءة وهي تدل على الموافقة الصامتة مع المتحدث، وتدل على التفهم والقبول والموافقة، كما أن الإيماء بالرأس بين الفينة والأخرى يشجع المتحدث على مواصلة الحديث لفترة أطول، أما الإيماءات السريعة فتعني أن المستمع يوافق لكنه يريد أن يتحدث عاجلاً.
اليدين:
عندما تكون راحة اليد مفتوحة ومتجهة للأعلى فهي اشارة تدل على الصدق والنزاهة، تماما كما أن قسم الولاء يتم براحة يد مفتوحة. أما إخفاء راحتي اليدين فيشير إلى أن محدثك يحاول أن يخفي شيئاً عنك، أما فرك راحتي اليدين معاً فيشير الى اعتقاد الشخص بحصول شيئ مهم كقبض الأموال او المشاركة في نشاط مثير.

سليم سعيد مهنا - مركز الدراسات الاستشارية

من هم عملاؤك وكيف تتصرف معهم؟


سليم سعيد مهنا - مقتطف من كتابه "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".



هؤلاء هم عملاؤك

مهما كان عملك فإنك ستظطر الى التعامل مع أشخاص مختلفين، لكل منهم رأيه وعاداته وأسلوبه، ولكل منهم شخصيته وانطباعاته، فإذا كنت في موقع البائع فلن يكون همك تغيير طباعهم، بل بيعهم ما لديك من خدمات او منتجات.
الصديق والثرثار والمستقر على أمره والمتردد والمغرور والكريم والبخيل، هذه الصفات ستجدها في زبائنك، فكيف تتعامل معهم؟

الصديق: مرح يقبل التوجيه والنصح ، ينتظر منك خدمات اضافية.

كيف تعامله ؟ اسأله أسئلة محددة ليجاوب بنعم أو لا ، تحدث بلغته ، تصرف كرجل أعمال.

الثرثار: يتدخل فيما لا يعنيه ، مسرف بالكلام ، يعتبر الوقت ملكه وحده.

كيف تعامله ؟
كن هادئا، وجه اليه أسئلة قصيرة ومغلقة، أحرص على العودة الى الموضوع الأساسي وحاول اتمام الصفقة في الوقت المناسب.

المستقر على أمره : عنيد متمسك برأيه "أنا بعرف أنت ما بتعرف"، يعتبر نفسه مثقفا ومبدعا وخلاقاً.

كيف تعامله ؟
اسمعه جيدا واحترم وجهة نظره، ابتسم وكن مرحا وركز على نواحي الاتفاق معه، لا تأخذ كلامه على أنه يمس شخصيتك ، حاوره بالمنطق وليس بالعاطفة، شجعه على طرح أفكاره وحاول أن تؤكد له خبرتك واحترافك.

المتردد: قلق دائماً، لا يثق بنفسه ولا بالآخرين ، يحتاج دائما الى مبررات وتأكيدات وأسانيد.

كيف تتعامل معه ؟
كن صبوراً، رد على جميع استفساراته واعتراضاته ، أعطه الكثير من التأكيدات، اظهر له مزايا اتخاذ القرار الآن ومساوىء التأجيل، ساعده على حسم قراره بسرعة، ولكن حذار أن تتخذ قراراً بالنيابة عنه، فقد يلقي باللوم عليك لاحقاً.

المغرور : متصلب يتوقع معاونة (طاعة) الآخرين له ، معجب بنفسه، على لسانه دائما كلمة " أنا "، سريع الغضب.

كيف تتعامل معه ؟
أعرف سبب غروره واعجابه بنفسه، تقبل تعليقاته ومارس معه لعبته المحببة " المديح والأطراء"، حافظ على هدوئك، احرص على التعامل معه وكسبه من خلال علاقة مكملة "زيارة، مشاركة في مناسبة"، لا تحاول الانتقام منه.

الكريم: متواضع ، يتعامل بمحبة وأخلاق عالية، يأتمن من يتعامل معه.

كيف تتعامل معه؟ أجعله صديقك، عامله بصدق ومحبة، افعل ما بوسعك تجاهه فهو جدير بالاحترام والتقدير.

البخيل: متردد كثير الشك، منطو على نفسه، يدقق في أبسط التفاصيل.
كيف تتعامل معه؟ عامله بوضوح ، لا تغير التزاماتك تجاهه دون اعلامه، عزز ثقته بك، دعه يشعر بصداقتك له فلا شك ان اصدقاءه قلائل، قدم له هدية كلما استطعت مهما كانت بسيطة، إياك أن تظهر له إحساسك أو علمك بأنه بخيل أو يحب المال، فإذا أدرك أنك اكتشفت طبعه سيتركك ويرحل.


أميركا، هل تبقى الأولى؟


بقلم سليم سعيد مهنا


هل تفقد الولايات المتحدة الأميركية مركزها كأول قوة اقتصادية في العالم؟

تجاوزت ديون الولايات المتحدة 15 تريليون دولار في الـ2011 ويتوقع أن تصل إلى 18 تريليونا في الـ2014. لم تصل اي أمة صناعية كبرى الى هذه الأرقام الضخمة. بدءا من أيلول 2008 ولشهرين، شهدت الديون الاميركية نمواً قوياً، إذ ارتفعت 932 مليار دولار نتيجة سياسة التدخل على نطاق واسع لتجنب الانهيار التام للنظام المالي الأميركي والعالمي.

بنيت السياسة الاقتصادية الاميركية منذ بدء القرن الماضي على عمودين أساسيين: النفط والاستدانة التي ليست مشكلة، بل على العكس، قد تكون علامة على الدينامية والثقة بالمستقبل.

تقع المشكلة عندما يتخطى الدين قدرة المستدين على التسديد. لكن حال الدُول مُختلف عن حال الشركات والأفراد، وخصوصاً دولة كالولايات المتحدة تملك أضخم اقتصاد في العالم، إذ تنتج ثلث الثروة العالمية ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي 14 الفا و266 مليار دولار (2009)، وتحتل المراتب الأولى في احتياطات الذهب، بورصة نيويورك، الانتاج الصناعي، الواردات، الخدمات، الكهرباء، النقل الجوي، الاستثمارات في الخارج، القدرة التنافسية، حركة الحاويات، الصادرات، السياحة الدولية وإنتاج النفط. كما أن أهم الشركات في العالم هي أميركية.


هيكلية الاقتصاد الأميركي شبه كاملة. ويحتل القطاع الأولي المناصب القيادية، في الزراعة، المناجم والطاقة وصيد السمك الذي يشكل جزءاً مهما منه. ويتقدم القطاع الثانوي المراتب الأولى من حيث الصناعات الثقيلة، الأسلحة، الطيران، السيارات، الالكترونيات، برامج الكومبيوتر، الكهربائيات، السلع الاستهلاكية والغذائية الزراعية والتكنولوجيا العالية. أما قطاع الخدمات فمزدهِر ويوظِّف أكثر من 70% من القوة العاملة. لكن العجز التجاري يُمثل نقطة ضعف الاقتصاد، فيما 40% منه هو نتيجة التجارة مع الصين. وتستهلك الولايات المتحدة نحو 80% من الصادرات المكسيكية، فيما يعتمد الاقتصاد الكندي على نحو كلي تقريباً على الاقتصاد الأميركي.

ورغم قوته يجوز السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة تسديد ديونها؟ وهل هي على وشك الافلاس؟

نعتقد أن الولايات المتحدة تُظهر أعراض الدولة العاجزة عن التسديد: فهي تمول ديونها عبر التضخم ودور الدولار كعملة احتياط عالمية. فالتضخم يعني خفض قيمة الاصول المقومة بالدولار في جميع أنحاء العالم.
لقد بدأت دول بالحديث عن عدم التداول بالدولار في التجارة العالمية كروسيا والصين. وكالة "ستاندرد اند بورز" هددت بخفض التصنيف الائتماني السيادي للولايات المتحدة، اذ لا يرى خبراء الاقتصاد الأميركي كيف ستنجح في خفض عجزها، علما ان اي خفض للتصنيف سيرتب عواقب حيال ارتفاع مُعدل الفائدة مما يعني زيادة العجز
وقد ضخّت الولايات المُتحدة مبالغ هائلة لدعم الطلب الداخلي، وحاولت دعم الطلب الخارجي عبر خفض قيمة الدولار. لكن الصين قامت بلعبة ذكية، فزادت قيمة السندات الأميركية التي تملكها. وبذلك حافظ اليوان الصيني على ضعفه مقابل الدولار الأميركي رغم سلسلة خطوات رفع الفائدة في الصين لمحاربة التضخم
هل يمكن أن تفلس الحكومة الأميركية؟ الجواب لا للأسباب الآتية:

- اي افلاس سينعكس ضررا على العالم، ونعتقد أن الدول الأوروبية والصين واليابان وغيرها من الدول التي لها تشابك اقتصادي قوي مع أميركا، لن تسمح بذلك.
- إن الأصول الأميركية كافية لتسديد الديون. فاحتياطها من الذهب ومخزون النفط والنمو الضمني للاقتصاد الأميركي كافية لتسديد هذا الدين.
إذا هل تعتبر أميركا "مريضة اقتصادياً"، أم أنها تتمارض عن قصد، ولماذا؟ هذا ما ستكشفه الأحداث لاحقاً، وإلى حينه نأمل أن تتوقف أميركا عن استغلال شعوب العالم ونهب ثرواتها، لاسيما ثروات شعوبنا العربية.

إن العولمة واستعمال الدولار كعملة عالمية سيؤديان حتما الى كوارث بسبب الدين الأميركي. لذا، نعتقد أن العالم أجمع سيدفع قسماً من هذا الدين بطريقة أو بأخرى. لكن يحتمل أن تخسر الولايات المتحدة امتيازها كأول دولة اقتصادية في العالم !!!