2025/11/02

مفارقة الالتزام: بين الحرية والهوية

 

مفارقة الالتزام: بين الحرية والهوية


يولد الإنسان حرًا، بلا قيود أو التزامات، يستمتع بطفولة وادعة خالية من الأعباء، لا تثقله قضية، ولا تأسره ولاءات، ولا تستفزه أحداث.


ومع بداية تشكل وعيه وتوسع إدراكه يبدأ بالتخلي عن نعمة اللامبالاة هذه، عبر سلسلة لا تنتهي من الالتزامات العاطفية والمادية والفكرية، ليكتشف لاحقًا أن تلك الالتزامات قد سلبته كثيرًا من حرية العبث والاكتشاف والمغامرة.


يظن الفرد أن كيانه الاجتماعي لا يكتمل بغير تحديد هويته الفردية أو شخصيته الاجتماعية، عبر التزامه بسلسلة من الثوابت والقناعات التي يجد فيها سبيلًا للحياة التي يريدها وللدور الذي يريد أن يخطه لنفسه.


كل موقف يحدد هوية، كل عقيدة ترسم حدودًا، كل منهج يرسم مسارًا، وكل حب يمنح انتماءً لكنه أيضًا يقيد المشاعر ويحد من التفرد. الالتزام، مهما بدا اختيارًا حرًا، يفضي إلى قيد من نوع ما، إذ لا يعود الإنسان بعده كما كان قبله. إنه يعيد تشكيل نفسه في ضوء ما التزم به، متخليًا عن احتمالات كانت ممكنة في فضاء الحرية المفتوحة.


أن تلتزم، يعني أن تتخلى عمّا يمكن أن تكونه. فكل اختيار هو تنازل عن اختيارات أخرى، وكل انحياز هو مفاضلة بين معانٍ قد تتساوى في الجاذبية. وهكذا، تبقى الذات في صيرورة دائمة، تتأرجح بين مطلب التحقق الذي يمنحها المعنى، ومطلب التحرر الذي يهدد حضورها.


كل معتقد يلقي على عاتق معتنقه مسؤولية احترامه والدفاع عنه، وأحيانًا يكون ذلك على حساب حريته في الشك والتساؤل. إن حرية الفكر لا تلتقي بسهولة مع المعتقدات المغلقة مهما حاول معتنقوها التظاهر بغير ذلك.


غالبًا ما تفرض المعتقدات الراسخة نفسها على الفرد في سنوات التكوين، بحيث تنشأ كجزء من البنية النفسية والاجتماعية، لا كموقف حر نابع من تفكير وتقرير عقلاني. هذا الالتزام القسري إلى حد ما، لا يضيق فسحة الحرية فحسب، بل يقيدها بالخوف من العقاب والرفض. حينها، لا يملك المرء الجرأة على التفكير خارج معتقده، فيتحول إلى سجين ضمن أسوار لا يراها، لكنه يستمد طمأنينته منها.


لكن الالتزام ليس سجنًا خالصًا، فهو أيضًا تمرد على عبثية الحياة. إنه يمنحنا القدرة على التأثير والإنجاز، ويحررنا من فوضى الاحتمالات اللانهائية التي قد تشلّ الإرادة. الفنان لا ينتج عملًا عظيمًا إلا بالتزامه بمشروعه، والثائر لا يغير الواقع إلا بالتزامه بقضيته، والمحب لا يعرف عمق المشاعر إلا بالتزامه بمن يحب. الالتزام بهذا المعنى، ليس نقيض الحرية، بل هو شرط تحققها في العالم الواقعي.


إننا نختار التزاماتنا طوعًا، غالبًا دون وعي كامل بما نفقده في المقابل. وبعد فوات الأوان، نكتشف أن ما منحنا إحساسًا بالهوية والمعنى، قد كلّفنا شيئًا من حرية الاكتشاف والمغامرة. لكن ربما تكمن الحكمة في أن نعيش التزاماتنا بوعي تام، مدركين لثمنها، فلا نسقط في وهم الحرية المطلقة التي تفضي إلى العبث، ولا في وهم اليقين النهائي الذي يقتل السؤال. نحن نكتسب هوية محددة على أنقاض حرية لن تعود، لكننا في الوقت نفسه نبني معنى لوجودنا لم يكن ممكنًا في غوغائية اللااتجاه.



سليم مهنا 




2025/04/08

عصر الظلام

 شهد العالم الغربي في العقود الأخيرة تصدعاً عميقاً في الضوابط الأخلاقية والسلوكية، واستباحةً شاملة لمنظومة القيم الاجتماعية. فبعد أن تاه بعيدًا عن الإيمان بالله وتعاليم الدين وقيمه، خمد صوت الضمير الفردي، وفقد الإنسان الغربي وازعه الذاتي الذي كان يكبح انحرافه عن الفطرة السليمة، ويحد من جموحه نحو الظلم والعنف.


غرق الغرب في فرديته وماديته وانفلاته القيمي، وتجرد من خشية الله، وسقط ضميره سقوطا حرا، وانهارت الرقابة المجتمعية تحت وطأة المصالح المادية وسلطان الإعلام والتضليل، فانحدر بقوة من عالم الأخلاق ومنظومته الإنسانية التي شكلت حضارته عبر قرون، وبات يشكل خطرًا على ذاته، وخطرًا أعظم على العالم بأسره.


هذا الغرب الذي تحتشد فيه زوراً نظريات الحرية والعدالة والتحرر، قد دخل اليوم عصرًا مظلمًا ربما تكون ظلمته أشد قتامة من "عصور الظلام" التي كافح طويلا للخروج منها.


سليم سعيد مهنا

2025/04/01

أسوار الوهم


خلف السياج، يتهجم الكلب بشراسة، موحيًا بقدرته على الفتك بكل من يقترب. لكنه ما إن يفقد حاجزه الآمن ويواجه من كان يهددهم، حتى يهدأ ويتراجع خائفًا، وربما يختبئ.

يتوهم الكلب أن السياج يحميه، فيتبنى سلوكًا عدوانيًا نابعًا من شعوره الزائف بالأمان. والمفارقة أنه كلما زاد شعوره بالحماية، زاد تهجمه، وكأن الحاجز الذي يفصله عن العالم يمنحه جرأة لا يملكها في غيابه.

التجمعات الإنسانية، بكل أشكالها العرقية والإيديولوجية، توفر سياجًا مشابهًا. يستغله بعض المتعصبين والانتهازيين بجرأة زائدة، فيبالغون في استعراض القوة واستخدام العنف أحياناً.

الإنتماء إلى الجماعة يمنح الأفراد شعورا بالعظمة والأمان، بخاصة أولئك الذين يفتقرون إلى المعرفة الكافية والثقة بالنفس. معظمهم يظنون أنهم على حق، أنهم في المكان الصحيح، وبأنهم يمارسون البطولة فداء لجماعتهم بوچه الغرباء والمتربصين. 

الإنتماء مسألة فطرية بديهية تمليها وحدة الحياة في بيئة معينة، لكنه قد يتسم بالحدة والتطرف عندما يتحول إلى ضرورة تفرضها ظروف الحياة، كالدفاع عن حقوق مهددة، أو مواجهة ظلم حقيقي. هذه الدوافع الطبيعية لا تحتاج الى تفسير او تبرير، أما خطورتها فتكمن في إمكانية تحولها إلى أداة للعزلة والإنغلاق، فتترسخ الفكرة القاتلة: "نحن" في مقابل "هم". نحن من دين وهم من دين آخر، لنا أفكارنا ولهم أفكارهم، لنا عاداتنا وتقاليدنا ولهم عاداتهم وتقاليدهم، نحن لا نشبههم وهم لا يشبهوننا. وهكذا، ترتفع جدران العزل، ويستمر الصراع الوجودي بين العقائد والأفكار والأجناس.

يؤدي التمسك بالهوية الجماعية والانغلاق بدافع الأمان وحماية الذات إلى نشوء معضلة الانتماء غير الواعي وما يترتب عليه من عزلة وتباعد. في ظل هذا الواقع، تتفاقم مظاهر التطرف التي قد تنحو نحو العنف، مستندة إلى تأويلات فكرية ودينية متشددة. ويزداد الأمر خطورة عندما تستغل النخب الفكرية والأنظمة السلطوية هذه التوجهات لتعزيز نفوذها، فتقمع أي تفكير خارج إطارها، وتحبط محاولات التحرر من سطوتها.

على الجانب الآخر نرى جيلا جديدا من الشباب المتأثر بشدة بالإعلام المعاصر والثورة الرقمية، فكيف سيكون تأثير التكنولوجيا الرقمية على هذا الجيل، وهل سيعيد تشكيل حياته على إيقاعها؟ إننا على أعتاب لحظة تاريخية فاصلة تتحول السيطرة الفكرية فيها من سيطرة النخب والقادة إلى سيطرة الشركات التي تمتلك البيانات ولديها القدرة على توجيه السلوك البشري عبر الخوارزميات، فهل سنكون أمام إنسان مختلف لا يتأثر بالجماعة التقليدية ولا يخشى هيمنتها عليه؟

تمر البشرية في مرحلة تشكيك عميق بكل المفاهيم التي آمنت بها لقرون خلت، وها نحن اليوم وجها لوجه أمام سيطرة الآلة الرقمية على حياتنا وتوجهاتنا. الإنسان الجديد الخاضع للآلة الرقمية إنسان غير مبال إلى حد ما بالتقاليد والقيم والثورات، يتشكل عقله وفق منهجية مختلفة لا تخشى التغيير او الخوض في المحرمات، فهل هو فعلاً أكثر حرية؟ أم أنه فقط انتقل من قيد إلى قيد آخر؟

هل سيستطيع الإنسان الجديد التخفف من قيود الجماعة؟ هل سيتحرر من تأثير الموروثات التي تشكل وعيه منذ الطفولة؟ أم أنه، مهما ادعى التحرر، سيظل بحاجة إلى سياج ما، وإن كان غير مرئي؟

                                             سليم سعيد مهنا 
                                                      


2022/05/28

أموال المودعين بين مطرقة الدولة وسندان المقترضين

أموال المودعين بين مطرقة الدولة وسندان المقترضين https://echolebanon.com/2022/05/19/131043/ 



سنوات ثلاث مرت من عمر الأزمة المصرفية والمالية ولا تزال الحلول بعيدة المنال في ظل تخبط تام وغموض في حجم الخسائر، والضحية الأولى لهذه الأزمة كانت أموال المودعين الذين وقعوا بين مطرقة الدولة وسندان المقترضين. 


سنوات ثلاث توجهت خلالها شتى أنواع الاتهامات للمصارف وأصحابها ولم يحاول أحد البحث في جذور المشكلة والأسباب الحقيقية الكامنة وراء تمنع المصارف عن دفع الودائع بقيمتها الحقيقية وفقا لما تنص عليه القوانين التي ترعى عملها، ولم يلتفت أحد الى تقصير الدولة ولا الى دور المقترضين الذين استفادوا من ثغرتي سعر الصرف وتمديد المهل ليتمتعوا بأموال كانوا قد اقترضوها واستثمروها في مشاريعهم وها هم يعيدونها بفتات قيمتها، فيما يمتنع قسم كبير منهم عن السداد بحجة الظروف الاقتصادية الطارئة.


إن تحميل المصارف وحدها المسؤولية الكاملة عن احتجاز أموال المودعين يفتقد - في أحد جوانبه - الى المنطق والموضوعية، ويتعمد التركيز على مسؤولية الجهاز المصرفي وصرف نظر الجمهور عن أسباب المشكلة ومسؤولية الدولة في هذا الشأن الحيوي.


لقد وظفت المصارف وبنسب متفاوتة جزءا هاما من أموال المودعين لدى مصرف لبنان، الذي قام بدوره بإقراض هذه الأموال للدولة عبر سندات الخزينة، فيما ذهب الجزء الأكبر من توظيفاتها لقروض الأفراد والمؤسسات والشركات الخاصة، وهو ما يقع في صميم عملها كجهة تتلقى الودائع وتعيد إقراضها.


وبعد حركة تشرين ٢٠١٩ وما تلاها من أحداث توقف مصرف لبنان عن سداد ديونه للمصارف وأعلن عبر تعاميم خاصة عن إسداء اموال الودائع بالليرة اللبنانية بدلا من الدولار النقدي، فانهارت قيمة الليرة وانهار معها سعر الشكات المصرفية، واتيحت الفرصة للمدينين من القطاع الخاص لإيفاء ديونهم المعنونة بالدولار بما يعادل قيمتها بواسطة الشكات المصرفية، او بالليرة اللبنانية على أساس سعر الصرف الرسمي اي 1507.5 مما أكسبهم أرباحا طائلة على حساب المودعين.

 

بناء عليه كيف ستستطيع المصارف إعادة أموال المودعين بقيمتها الفعلية أي fresh فيما هي مجبرة على استيفاء ديونها بالشكات المصرفية او بالليرة وفق سعر الصرف الرسمي؟ 


دفعا لهذا الظلم اللاحق بالمودعين كأصحاب حقوق، وإنصافا للمصارف كمتهمين أساسيين، ينبغي ان تقوم الدولة باتخاذ ما يلزم من إجراءات عادلة لضمان حقوق المودعين والمصارف معا، اولا عبر إعادة أموال المصارف بقيمتها الفعلية، وثانيا عبر إيجاد الحلول المناسبة لاستيفاء القروض وأبرزها التمييز بين ديون الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية والذين يحتاجون فعلا لدعم سداد قروضهم على سعر صرف منخفض، وبين رجال الأعمال والمستثمرين الذين اقترضوا هذه الأموال وقاموا بتوظيفها في مشاريعهم وحققوا أرباحا مهولة على حساب غيرهم. 


إن تخلف الدولة وغيابها عن القيام بواجبها ومسؤوليتها عن حفظ حقوق المودعين هو الأمر الأساس في هذه القضية، من دون ان نغفل مسؤولية بعض إدارات المصارف الذين افرطوا في ثقتهم بالنظام المالي العام وتورطوا بديون كبيرة مع مصرف لبنان والدولة.


سليم مهنا 

باحث اقتصادي ومؤلف كتاب العمل المصرفي واستراتيجية التسويق 


2020/07/04

لا تَتأخّر يا دولة الرئيس فالشعبُ ينتظر !



لا تَتأخّر يا دولة الرئيس فالشعبُ يَنتظر!

فى: يوليو 03, 2020
بقلم سليم مهنّا*

بعد الركود العالمي الذي تسبّبت به جائحة “كورونا” وتَقلُّص آمال لبنان في الحصول على مساعدات مالية أو قروضٍ مُيسَّرة، وفي ظلّ الصعوبات الكبيرة التي تُواجهها حكومة حسّان دياب لاحتواء الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية القاسية وعدم قدرتها على تمويل الإستثمارات اللازمة لتطوير المرافق العامة الحيوية واستحداث مرافق جديدة، وبين مَن يُريد التوجه لطلب المساعدة من الشرق ومن يريدها من الغرب، تبذل الحكومة جهوداً لمواجهة تركةٍ ثقيلة من الدين العام وتخلّف الخدمات الأساسية، في ظلِّ موجةٍ عارمة من الغلاء الفاحش وارتفاع معدلات البطالة وانهيار سعر صرف العملة الوطنية.

وفيما يعاني لبنان من نتائج تلك الأزمات المُتلاحقة، وتراجع حجم الإستثمارات المحلية والأجنبية في قطاعات الإنتاج والخدمات إلى أدنى حدوده، يبرز التساؤل حول إمكانية إيجاد مخارج للأزمة الحالية والسُبُل الآيلة إلى إنقاذ البلاد من تداعيات الإنكماش الاقتصادي ومخاطر الركود في مختلف قطاعات الإنتاج، في ظل الموارد الحكومية المحدودة وتقييد حركة أموال القطاع الخاص في المصارف، حيث تبدو الحاجة ملحة للبحث عن مصادر تمويل تعمل كمُنشّطاتٍ اقتصادية، من دون الحاجة إلى الإقتراض الخارجي الذي بات صعب المنال بعد إعلان تخلّف لبنان عن دفع ديونه السيادية.

قد يكون لبنان دولة فقيرة بمواردها الطبيعية الصالحة للاستخراج والبيع، على الرغم من وجود مؤشرات قوية الى امكانية تحوّله الى دولة نفطية، لكن قوة لبنان تكمن في قدراته الذاتية ومواهب أبنائه الفاعلين في كل أصقاع الأرض، الذين يُبدون كامل استعدادهم لدعم اقتصاد بلدهم اذا ما توفّرت عوامل الإستقرار التي تكفل حقوقهم كمواطنين وكمستثمرين على حد سواء.

ولأن الوضع لا يحتمل الإنتظار، ينبغي البحث سريعاً في البدائل المُتاحة للتمويل، والبدء فوراً بتنفيذ المشاريع الحيوية. فإذا كانت الدولة غير قادرة لأسبابٍ مالية على تنفيذ الاستثمارات الأساسية اللازمة لدفع عجلة النمو، وغير قادرة على استقطاب الدعم المالي الخارجي لأسباب اقتصادية وسياسية، فإن الفرصة تبقى مُتاحة للاستفادة من حيوية القطاع الخاص عبر تحفيزه للدخول على خط تنفيذ تلك المشاريع الضرورية وفقاً لنظام البناء والتشغيل العالمي المعروف ب”بناء – تشغيل – نقل ملكية” ( B.O.T)، حيث يتحمّل القطاع الخاص بموجب هذا النوع من العقود تكلفة تطوير او إنشاء هذه المرافق الحيوية ومخاطر تشغيلها، الى أن يحين موعد تسليمها للدولة عند انتهاء عقود استثمارها، وهو بالمناسبة نظام عالمي مُعتمَد في أغنى دول العالم وأكثرها تطوراً، بمعنى أنه ليس وصفة سحرية للدول الفقيرة او النامية.

تتبدى أهمية هذا النوع من التعاون مع القطاع الخاص في نواحٍ عدة أبرزها:

*  تخفيف العبء عن موارد الخزينة المحدودة؛

* تحسين ظروف عمل الإقتصاد وزيادة قدرته الإستيعابية؛

* توفير البيئة المُناسبة للتنمية الإقتصادية والإجتماعية؛

* إدخال استثماراتٍ جديدة بتمويل خارجي وبعملة أجنبية، والإستغناء عن إنشاء ديون جديدة وأعباء خدمة هذه الديون؛

*  الإستفادة من خبرات القطاع الخاص في إنشاء وتشغيل المرافق العامة ونقل التكنولوجيا الحديثة إلى داخل البلاد؛

* إتاحة مزيد من فرص العمل وتنشيط السياحة ودورة الإنتاج؛

*  إشراك رؤوس الأموال الداخلية، خصوصاً تلك الموجودة خارج القطاع المصرفي في الإستثمارات المحلية.

من البديهي القول إن لبنان قد تخلّف طويلاً عن إقامة المشاريع الأساسية التي تُحدث أثراً إيجابياً في بيئة الإستثمار، وتعمل على تحسين ظروف الإقتصاد الوطني وزيادة تنافسيته وفرص نموه، وعليه فإننا بحاجة ماسة إلى تحريك المياه الراكدة وإطلاق ورشة التنمية على الصُعُد كافة، والإستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال.

أمام الحكومة فرصٌ حقيقية لطرحِ مشاريع تطويرية للمرافق العامة وفقاً لقواعد نظام ” BOT” ، وبوسعها اختيار المشاريع التي ترفع معدلات النمو وتُحدثُ فرقاً في حياة الناس ورفاهيتهم، وتُحقّق فائضاً في موارد الدولة.

إن معالجة أزمة الديون لا تتم بالإنكماش ووقف المشاريع الإنتاجية، وإنما بالدفع نحو قيام الاستثمارات الحيوية والسعي إلى توسيع مجالات الإنتاج وزيادة حجم الناتج المحلي الاجمالي لتحقيق فائض إيجابي في ميزان المدفوعات، ووقف مسلسل العجز في موازنة الدولة.

نحن بحاجة الى خطة إنماء وازدهار وليس الى إعادة إعمار. نحتاجُ الى إدارةٍ سليمة تملك الخبرة والرؤية والإرادة للعمل والنهوض من جديد.

الشعب ينتظر يا دولة الرئيس فلا تتأخّر أكثر.

سليم مهنا هو مصرفي وباحث مالي واقتصادي لبناني.

نشر في موقع مجلة "أسواق العرب " الصادرة في لندن بتاريخ 3/7/2020

ما علاقة الـ”كابيتال كونترول” بانخفاضِ سعر صرف الليرة اللبنانية؟

ما علاقة الـ”كابيتال كونترول” بانخفاضِ سعر صرف
 الليرة اللبنانية؟

كتبه: فى: يونيو 25, 2020: اقتصادي, رأي

بقلم سليم مهنّا*

تدنّي سعر صرف الليرة اللبنانية، بعد سنوات طويلة من الإستقرار “الإصطناعي”، لم يكن أمراً مُستَغرَباً لدى كثيرٍ من العارفين بالشؤون المالية والإقتصادية الذين كانوا يُراقبون بقلقٍ شديد إرتفاع أرقام الدَين العام في لبنان إلى مستويات خطيرة، في ظلِّ اختلالٍ كبيرٍ في ميزانه التجاري، واختلالٍ تاريخي في بنية قطاعاته الإنتاجية.

لقد أدّى انكشاف المصارف على الدين السيادي، وسوء تقديرها لوضع المالية العامة، إلى تُعرِّضها لأزمة سيولة غير مسبوقة، ما اضطرها الى اتخاذِ تدابير استثنائية قضت بتقييد عمليات سحب الودائع، ووقف التحويلات الى الخارج، أو ما يُصطَلَح على تسميته “ضوابط رأس المال” (Capital control).

وفيما كان القصدُ من عملية التقييد حماية المُودعين والحفاظ على سلامة الودائع، فقد أدّى هذا التدبير إلى تقليص العمليات المصرفية، وزيادة الطلب على العملات الورقية التي حلّت مكان الشيكات (الصكوك) والحوالات المصرفية ووسائل الدفع الإلكتروني، وتحوّلت الى أداة إيفاءٍ أساسية، وبدأت معها مرحلة ما يُعرف بالإقتصاد النقدي.

إثر ذلك لجأ المُستوردون الى اعتماد الدولارات الورقية لتسديد مُوجِباتهم تجاه المُصدِّرين، وبرزت ظاهرة “صرف الشيكات نقداً” وبالأخص الشيكات المصرفية، فانخفضت قيمتها وفقدت جزءاً كبيراً من مكانتها ودورها كوسيلة إيفاء بسبب رفض قبولها في المعاملات التجارية الداخلية، وتمنّع المصارف عن تحويل قيمتها إلى الخارج لتمويل المشتريات من السلع الأجنبية.

أمام هذا الواقع والتهافت على شراء الدولار الورقي لتمويل الإستيراد وغيره من الحاجات التي لا بديل من دفع ثمنها بالعملة الأجنبية، لا بدّ من التساؤل حول سلبيات شمول قرار تقييد التحويلات المصرفية لكل عمليات التحويل الخارجي من دون استثناء، وأضراره على ثقة المُودِعين وتالياً على سعر صرف الليرة.

فالقرارُ كما تمّ تطبيقه، لم يُميِّز بين المُودع الذي يقوم بتحويل أمواله لأجل تهريبها إلى مصرف أجنبي، وبين طالبٍ يتعلّم في الخارج، أو مريضٍ يحتاج إلى إجراء علاجٍ في دولة أجنبية، او تاجرٍ يستورد حاجات الاستهلاك المحلي من السلع الغذائية. وبالنتيجة أدّى هذا الإجراء “الوقائي” الى السلبيات التي ذكرنا، وحرم آلاف المودعين بالعملة الأجنبية ليس فقط من استعمال أموالهم في الخارج، بل أيضاً من استعمالها لتسديد ثمن مشترياتهم في السوق المحلية، بسبب عدم تمكّنهم من الحصول على الدولارات الورقية من المصارف من جهة، ورفض الباعة قبول الدفع بواسطة الشيكات او البطاقات وإصرارهم على البيع نقداً من جهة أخرى.

وفيما يحاول المصرف المركزي اجتراح الحلول لدعم الليرة ودعم أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، فإن الآلية التي أقرّها لجهة تأمين العملات الأجنبية للتجار بغية تمويل استيراد بعض السلع الأساسية، لن تكون كافية لسدِّ احتياجات التجارة الخارجية، كما أنه لا توجد وسيلة أو آلية فعّالة ومُحكَمة لمراقبة التجار المُستفيدين لضمان تخفيض أسعار السلع المُستورَدة وعدم احتكارها، وعلى الأرجح أن يذهب هذا الدعم الى جيوب التجار لا الفقراء.

إن محاولة السيطرة على سعر صرف الليرة عبر تأمين أموال الإستيراد بسعرٍ مُنخفض أو عبر ضخِّ بضعة ملايين من الدولارات الورقية في سوق القطع، ستُثبت عدم جدواها في كبح جماح ارتفاع الدولار، وستؤدي في النهاية الى استنزاف احتياط البنك المركزي من العملات الأجنبية من دون تحقيق هدفها الرئيس المُتمثّل بوقف ارتفاع أسعار السلع ووقف تدهور سعر الليرة. فرغم أهمية هذه التدابير من الوجهة الإجتماعية، إلّا أن تأثيرها في سوق القطع غير كافٍ في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، وتباطؤ الإنتاج وتراجع التدفّقات المالية التي كانت ترفد سوق القطع بالعملات الأجنبية وتَحُول دون ارتفاع اسعاد الدولار الأميركي، سواء من المغتربين والسياح، أو من أعمال التصدير والإستثمارات الأجنبية المباشرة.

وبانتظار تعافي الإقتصاد ونمو النشاط الإنتاجي، وعودة تدفّق العملات الأجنبية لا سيما من القطاع السياحي وتحويلات المغتربين، نرى أنه لا بديل من عودة القطاع المصرفي الى لعب دوره المُعتاد في تمويل العمليات الخارجية، ولا بدّ من تخفيف القيود المفروضة والسماح باستخدام جزءٍ من ودائع المصارف بالعملات الأجنبية لأجل تمويل استيراد السلع الأساسية الضرورية، من دون الكماليات، وقد يكون ذلك بناء لتصاريح خاصة من الوزارات المعنية، مع التشدّد في مراقبة أداء المصارف في هذا الخصوص، إذ من شأن هذا الإجراء أن يؤدي الى مجموعة إيجابيات، منها:

*  ضخ سيولة إضافية من العملات الأجنبية في السوق؛

* تخفيض الطلب على الدولار الورقي ووقف التهافت عليه؛

* عودة التعامل بالشيكات والحوالات لتمويل العمليات التجارية المحلية؛

* عودة استخدام البطاقات الإئتمانية في عمليات الإيفاء؛

* تمكين أصحاب الودائع بالعملات الأجنبية من استعمال أموالهم لشراء حاجياتهم من دون اضطرارهم لتقبّل خسارة جزءٍ مهم من قيمتها أثناء الدفع؛

*  طمأنة المُودعين إلى سلامة ودائعهم واستقرار قوتها الشرائية، ووقف وتيرة عمليات السحب التي ستؤدي إذا ما استمرت على الشكل الحالي إلى نقصٍ إضافي خطير في سيولة المصارف.

لقد تزايد الطلب على الدولارات الورقية نتيجة استخدامها كمستودع آمن للقيمة، وكأداة وحيدة لتحويل الأموال إلى الخارج، سواء لأغراضٍ شخصية او لشراء السلع الحياتية التي لا بديل من استيرادها، كذلك فقد أسهم تدهور قيمة الليرة السورية في ارتفاع الطلب على الدولار الورقي وتسبّب بزيادة الضغوط على الليرة اللبنانية جرّاء شحّ المعروض من الدولارات الورقية، وتزاحم حاملي العملتين اللبنانية والسورية على استبدال أموالهم بالدولار الأميركي.

إن عدم رفع القيود عن التحويلات المصرفية، ولو جزئياً، وضمن إطارِ الضرورة كما ذكرنا، سيدفع بإتجاه تعزيز الإقتصاد النقدي والإعتماد عليه أكثر فأكثر مُقابل تراجع دور المصارف وتقلّص حضورها، وسيُشجّع الإعتماد على خدمات التحويل الموازية على حساب القطاع المصرفي، وسيؤدي الى خروج المستثمرين الأجانب نحو البلدان التي يتمتّعون فيها بحرية مطلقة في حركة الأموال من دون قيد او شرط، وإلى إقفال مزيد من المصانع والمؤسسات التجارية والخدماتية، وزيادة البطالة وتفاقم الأزمات الإجتماعية المعيشية، وإلى تعميق أزمة الليرة يوماً بعد يوم بانتظار معجزة قد لا تحدث أبداً.

سليم مهنّا هو مصرفي وباحث إقتصادي ومالي لبناني

2020/06/10

القروض المصرفية في لبنان... هل تعود؟

القروض المصرفية في لبنان… هل تعود؟

يونيو 10, 2020

بقلم سليم مهنّا*

تعليقُ منحِ القروض المصرفية فضلاً عن تقييد حرية سحب الودائع من المصارف، شكّلا الحدث الأبرز الذي شغل اللبنانيين منذ انطلاق حركة الإحتجاجات في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، الأمر الذي أدى إلى اهتزاز الثقة بالقطاع المصرفي وأحدث ذهولاً عاماً، وصدمة بالغة القوة سيتردد صداها وتأثيرها لسنوات طويلة.

بدأت بوادر الأزمة المصرفية بالظهور قبل عامين تقريباً مع إعلان المؤسسة العامة للإسكان في تموز (يوليو) 2018 توقّفها عن استقبال طلبات القروض السكنية. ثم تبع ذلك بعد فترة وجيزة توقّف أغلب المصارف عن إسداء القروض على مختلف أنواعها، وصولاً الى قيام العديد منها بتعليق العمل بالتسهيلات الإئتمانية وتخفيض سقوفها إلى حدودِ ما كان مُستَعمَلاً منها يوم بدء الاحتجاجات، في مؤشر واضح إلى انخفاض مستويات السيولة لديها والى النظرة المُتشائمة لمستقبل الإقتصاد الوطني.

لقد أدّى تعليق العمل بالتسهيلات الإئتمانية الى تضرّر العديد من رجال الأعمال والمزارعين وأصحاب الحرف والمصانع والشركات، فتعدّلت خططهم أو توقّفت كلّياً، وارتفعت أعداد الشيكات (الصكوك) المُرتَجَعة بشكل قياسي وتسبّبت بارتدادات سلبية ومؤلمة.

وعلى صعيد المصارف، تُشير الأرقام إلى تراجعٍ كبير في حجم التسهيلات المصرفية بسبب توقّف الإقراض من جهة، وعمليات “إطفاء” الديون التي بادر إليها المُقترضون من جهة أخرى، مُستفيدين من تسييل موجوداتهم نتيجة الطلب الكثيف على العقارات والسلع المُعَمِّرة إثر تراجع ثقة المُودعين وتخوّفهم على مصير أموالهم وهبوط قيمتها الشرائية. ولا شك أن تراجع التسهيلات بموازاة تراجع حجم الودائع سيترك أثره على ربحية المصارف وأدائها بشكل ملحوظ.

يُعتَبَر الإئتمان المصرفي الأداة الأساسية لتمويل أنشطة القطاع الخاص، وقد شكّلت القروض المدعومة إحدى ركائز نمو الإقتصاد اللبناني خلال العقدين الماضيين، لا سيما تلك الممنوحة بضمانة شركة “كفالات”، حيث شهدنا قيام مئات المشاريع الإنتاجية من زراعية وصناعية وسياحية وتقنيات مُتخصّصة، ولا ننسى أهمية القروض التعليمية فضلاً عن قروض الإسكان التي أدّت إلى فورة عمرانية ونجحت في حلّ مشاكل آلاف الشباب المُقبلين على الزواج.

يتكرّر الحديث اليوم عن صعوبات تُواجه المُودعين، ولكننا نعتقد أن تردّدات الأزمة المصرفية الحالية قد طاولت المُقترضين بشكل أقسى، وأن الغياب الكلّي لعمليات الإقراض المصرفي ليس حدثاً عابراً وعادياً، بل هو أمرٌ بالغ الخطورة على مستقبل الإقتصاد الوطني وفُرَص تقدّمه ونموّه، وينذر بعواقب وخيمة.

فمع توقّف منح القروض الإستهلاكية الشخصية، وتوقّف إصدار البطاقات الإئتمانية وتعليق استخدامها في الخارج، وتوقّف منح التسهيلات بالحساب الجاري وتخفيض سقوفها، وتجميد فتح الإعتمادات، وتوقّف القروض المدعومة بمختلف أنواعها التعليمية والصناعية والزراعية والسياحية والإسكانية، فإننا بلا شك أمام حالة جديدة من الشلل في بيئة تطوير الأعمال وتباطؤ الدورة الإقتصادية الإنتاجية، وسوف تظهر نتائج ذلك على الأوضاع الإجتماعية مع ارتفاع نسبة البطالة وتعطّل المشاريع وإقفال الكثير من المؤسسات التي تعتمد بشكل او بآخر على مصادر إضافية للتمويل، لا سيما مع تراجع او انعدام الإستثمارات المحلية والأجنبية الجديدة في ظل الأوضاع القائمة.

ويبقى السؤال الأهم حول مستقبل القطاع المصرفي وقدرته على استعادة نشاطه بصيغته المعروفة، أي تلقّي الودائع ومنح القروض، وحول المدة اللازمة لاستعادة هذا الدور الحيوي الذي طبع اقتصاد لبنان بطابعه وجعله مركز استقطاب لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية. فهل ستتمكن المصارف من فتح باب الإقراض من جديد، وما هي متطلبات ذلك؟

إن عودة الحيوية إلى القروض المصرفية تتطلب توفر مجموعة عوامل أساسية تبدو صعبة المنال في المرحلة الحاضرة أهمها:

توقف وتيرة السحوبات من المصارف وعودة تدفق الودائع إليها؛بدء تعافي الإقتصاد وتحسّن نشاط القطاع الخاص؛إيجاد حلول مناسبة لمسألة ديون القطاع الخاص المُتعثّرة؛تمكّن المصارف من استعادة ودائعها لدى البنك المركزي؛إيجاد حلول لمشكلة اكتتابات المصارف بسندات الخزينة وال”يوروبوندز”؛نجاح عملية إعادة هيكلة المصارف وزيادة رساميلها بأموال جديدة محلية أو خارجية؛قيام المصارف بعقد اتفاقات تمويل مع مصارف او هيئات أجنبية تُخَصَّص لإقراض المؤسسات الإنتاجية؛نجاح المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وتخصيص جزء من أموال القروض أو المساعدات المُرتَقبة لتأمين التمويل للقطاعات الإنتاجية.

تبدو الحاجة ملحة إلى قيام الحكومة بدور أساسي لاستعادة حيوية النشاط الإقتصادي وكسر حالة الجمود الراهنة، وذلك عبر رزمة من الإجراءات النقدية ذات التأثير المباشر في السيولة المالية لتمكين قطاعات الإنتاج من الصمود وإعادة الانطلاق، مروراً ببعض الحوافز والإعفاءات الضريبية والحمايات الجمركية، لأجل الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات ووقف مسلسل الإقفال المتدحرج في مختلف القطاعات، والسعي الجاد إلى الحد من تداعيات الأزمة الإجتماعية الخانقة التي كوت بنارها آلاف العائلات وضاعفت أعداد الفقراء على حساب متوسطي الدخل.

إن المصارف مَدعوَّة إلى تخفيف القيود والإجراءات التي فرضتها بسبب الظروف الإستثنائية، من أجل أن تستعيد ما خسرته من ثقة، خصوصاً بعد تراجع التعاملات المصرفية والتحوّل الكبير نحو الإقتصاد النقدي الذي تسبّب به توقّف التحويلات المالية للخارج، خصوصاً للمستوردين، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الأوراق النقدية ولجوء المتعاملين الى استخدام العملات الورقية على حساب التداول بالشيكات والحوالات المالية.

إن أية خطة تنموية يجب أن تتضمّن مصادر تمويلها، لذا فإن الحاجة إلى دعم القطاع المصرفي وحمايته وضمان استقراره وتمكينه من العودة الى لعب دوره الطليعي في خدمة الإقتصاد الوطني هي حاجة جوهرية وأساسية لأجل الحفاظ على فُرَص النهوض والإزدهار وبناء اقتصاد حقيقي قائم على أسس العدالة الإجتماعية والإنتاج.

سليم مهنّا هو مصرفي وباحث اقتصادي ومالي لبناني.
https://www.asswak-alarab.com/archives/20116
نشر في مجلة أسواق العرب في 10/6/2020

2020/05/30

الليرة اللبنانية... إلى أين؟

بقلم سليم مهنّا*

منذ خروج أميركا من اتفاقية “بريتون وودز” في العام 1971، أُلغِيَت عملياً آلية ثبات سعر صرف العملات، وحلّت مكانها سياسة “تعويم العملة” التي تعني تحرير سعر الصرف وتركه يتحدّد بحرية وفق آلية العرض والطلب في الأسواق، حيث أصبحت العملة مُرتبطة بكفاءة الإقتصاد ونمو الناتج المحلي ومكانة الدولة سياسياً وعسكرياً.
وفيما اعتمدت معظم الدول سياسة “التعويم”، إلّا أن دولًا عديدة، كالصين ودول الخليج العربي، تبنّت سياسة تثبيت سعر الصرف مُعتمدةً على فائض ميزان المدفوعات لديها وعلى احتياطها الضخم من العملات الأجنبية، الذي يسمح لمصارفها المركزية التدخل عند الحاجة لحماية ثبات سعر العملة.
كان هدف المسؤولين اللبنانيين مع انتهاء الحرب الأهلية استعادة الثقة بالليرة وضمان الإستقرار النقدي، فاستعانوا بالنموذج الخليجي في تثبيت سعر الصرف مُتجاهلين التفاوت الكبير بين قدرات لبنان واقتصاده المُتَذبذب المُرتكز على قطاع الخدمات والسياحة، وبين قدرات دول الخليج النفطية وعوامل الإستقرار السياسي والاقتصادي ومجالات الإستثمار المُتعدّدة لديها.

لا شك أن سياسة التثبيت أعطت نتائج إيجابية لجهة طمأنة المُتعاملين بالليرة إلى استقرار قوّتها الشرائية، لكن ذلك لم يَحُل دون استمرار تعامل اللبنانيين بالدولار الأميركي كعملةٍ شبه أساسية في التعاملات التجارية والعقارية والمصرفية، ولم يَحُل أيضاً دون استمرار “دولرة” الودائع المصرفية بنسبة تفوق 70% في مؤشر يعكس القلق الدائم حول قوة الليرة ومستقبلها.

أما الأمر الأكثر غَرابةً فهو قيام الدولة اللبنانية نفسها باستعمال الدولار في تعاملاتها وتلزيماتها الداخلية، وأيضاً في تسعير واستيفاء رسوم بعض خدمات القطاعات المملوكة منها كالخلوي وشركة الطيران الوطنية، مع ما يُمثّل ذلك من انتقاص من “هيبة” الليرة ودورها كعملة رئيسة وكعنوان من عناوين السيادة الوطنية.
وفيما كان من المُفترَض ان تكون سياسة تثبيت سعر الصرف مؤقتة ومُرتَبطة بعاملَي الإستقرار الأمني والسياسي، غير أنها تحوّلت مع الوقت إلى دائمة، مع نزعة إلى المُكابرة والمُجاهرة بقدرة المصرف المركزي على حماية استقرار الليرة إلى ما لا نهاية بفضل الإحتياطات التي كَوَّنها من العملات الأجنبية.
إستطاع مصرف لبنان المُحافظة على ثبات سعر الصرف طوال عقدين من الزمن، مُستَنداً إلى  الفائض في ميزان المدفوعات والموجودات المهمة من الودائع في القطاع المصرفي، فيما كان العجز الخطير والدائم في الميزان التجاري مُستمرّاً في استنزاف العملات الأجنبية لتأمين تدفق السلع المستوردة.
ولكن مع انقلاب الفائض في ميزان المدفوعات إلى عجزٍ في السنوات الأخيرة، بات لزاماً على البنك المركزي أن يستمرّ برفع الفوائد والقيام بما عُرف بالهندسات المالية، وتحمّل أكلافها العالية لاستقطاب مزيد من الأموال، الى أن تكشّفت الأمور وظهرت الى العلن النتائج السلبية لسياسة التثبيت وكلفتها المالية الهائلة.
وإضافة إلى التكلفة المالية الكبيرة فقد تسبب تثبيت الليرة عند مستوى أعلى من قيمتها الحقيقية بخسائر اقتصادية فادحة. فعدا عن استنزاف احتياط العملات الأجنبية المُكوَّن بنسبة عالية من ودائع المصارف لدى مصرف لبنان، لقد فاقم سعر الليرة “القوية” حجم الخلل في الميزان التجاري، وأسهم في ضرب القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية، وسمح بإغراق الأسواق بالمنتجات المُستَورَدة، وزيادة عديد اليد العاملة الأجنبية، وعزّز ثقافة الإستهلاك، وأدى الى ارتفاع نسبة البطالة وتراجُع السياحة، والى تحوّلٍ كبير نحو القطاعات الريعية على حساب قطاعات الإنتاج الأساسية.
وإذا نظرنا الى الواقع الحالي فلا شك أن انهيار القوة الشرائية لليرة سيُفاقم المشاكل الإقتصادية والإجتماعية، وسيزيد من مُعاناة اللبنانيين، ولكن هل ستكون لهذا الإنخفاض آثار إيجابية في المدى المنظور؟
لقد أثبتت التجربة لا سيما في البلدان النامية، أن العلاقة بين انخفاض قيمة العملة وتحفيز الإقتصاد الوطني والحدّ من عجز الميزان التجاري ليست علاقة آلية، وإنما علاقة مشروطة بعوامل ومُحدّدات عديدة أبرزها:

مدى قدرة الإنتاج المحلي – تكنولوجياً ومالياً وبشرياً – على إنتاج بدائل للسلع المُستَورَدة مثل الآلات والمعدّات والأجهزة الإلكترونية، فضلاً عن الحبوب والمواد الغذائية؛

مدى نسبة المدخلات من المواد الأولية المُستورَدة بالعملات الأجنبية في عملية الإنتاج، وانعكاس ذلك بشكل آلي على أسعار المُنتجات النهائية التي ترتفع بدورها وتفقد تنافسيتها؛

مدى تجاوب الطلب على الصادرات والواردات مع تغيّر الأسعار الناتج من انخفاض قيمة العملة، حيث تنخفض أهمية عامل السعر على حجم طلب بعض السلع بسبب ارتكازها على مقوّماتٍ تنافسية مُتجاوزة للسعر كالجودة والإبتكار والمضمون التكنولوجي.

يبدو أن الحكومة اللبنانية قد استجابت في خطتها الإنقاذية لتوصيات صندوق النقد الدولي بتخفيض قيمة العملة كأحد شروط الصندوق للمساعدة، لذا فمن غير المتوقع ان تطلب من البنك المركزي التدخّل بقوة، وإن جُلّ ما يُمكن أن نتوقّعه هو محاولات لضبط التقلبات الحادّة في سوق الصرف، والحدّ من تعرّض الناس والتجّار لجشع الصرّافين، من دون أن يكون لذلك تأثيرٌ مهم على الإتجاه التصاعدي لسعر الصرف.
بناء عليه، سوف تبقى الليرة عرضة للتقلّبات والإهتزازات ضمن المَدَيَين القصير والمتوسط، وسيكون علينا ان نُراقب العناصر التالية لمعرفة مسار سعر الصرف في الفترة المقبلة:

مدى ارتفاع نسبة مساهمة قطاعات الإنتاج الحقيقي من زراعة وصناعة وتكنولوجيا في الناتج المحلي؛

أثر برنامج دعم قطاعات الإنتاج للمشاريع الصغيرة والمُتوسّطة الذي تُخطّط الحكومة لتنفيذه؛

مدى التوجّه لدعم فرص الإبداع والإبتكار لدى جيل الشباب؛

مُستوى نجاح محاولات استعادة الثقة بالدولة بعامة، والقطاع المصرفي بخاصة، وعودة التحويلات الخارجية؛

مدى ارتفاع حجم الصادرات وخفض الواردات للسيطرة على عجز الميزان التجاري؛

فُرَص عودة قطاع السياحة الى سابق عهده؛

نجاحُ فُرَص التنقيب عن الغاز والنفط؛

مدى تطوّر عودة النشاط التجاري العربي البيني؛

نجاح مساعي تفاوض الحكومة مع الدائنين؛

نجاح مُحاولات الحصول على مساعدات عاجلة وهِباتٍ من الدول الشقيقة والصديقة؛

السيطرة على المالية العامة وتوازن الموازنة؛

مستوى التقيّد بالإصلاحات التي أقرّتها الحكومة لوقف عجز الموازنة وتراكم الدين العام؛

فعاليّة مُحاسبة المُرتَكبين والفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة؛

مدى استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة.

ما لم تحصل إنجازاتٌ نوعية ملموسة وفاعلة في بعض أو كل تلك النقاط، فلا شيء سيُوقف انهيار سعر العملة الوطنية ومعه زيادة معدلات الفقر وانهيار وافلاس عشرات القطاعات، وربما انهيار الدولة عاجلاً أم آجلاً. وعلى الحكومة والمجتمع المدني والأفراد، كلٌّ من موقعه، المبادرة الى إنقاذ ما ينبغي إنقاذه قبل فوات الأوان.

سليم مهنّا هو مصرفي وباحث مالي واقتصادي لبناني.

نشرته مجلة "أسواق العرب" الصادرة في لندن
https://www.asswak-alarab.com/archives/20023

2020/05/22

كورونا… العالم ينتظر

بقلم سليم مهنّا*

لا شكّ أن العام 2020 سيُشكّل علامةً فارقة في عالمِ الأعمال والاستثمار،  حيث يستمر بحفر اسمه في ذاكرةِ الإقتصاد العالمي وربما تمتدّ تداعياته لسنوات بل لعقود طويلة.
لقد استهل العام إنطلاقته على وقع انتشارٍ خطيرٍ لوباء “كورونا” أو “كوفيد-19″، فظهرت معه بوادر أزمة عالمية جديدة ذكّرت الناس بالأزمات الإقتصادية الكُبرى التي تركت ندوبها في ذاكرة الأسواق، إذ تعطّلت الأعمال وتوقّفت حركة الإنتقال، وجثمت الطائرات في المطارات، وحُجِرَ الناس في بيوتهم، وتوقّفت معظم الأنشطة الإنتاجية حول العالم.
ولأن الخوفَ هو من أسرعِ العوامل انتشاراً، فقد انعكس من النتائج السلبية للوباء على الإقتصاد العالمي حيث تسبب بركود اقتصادي وانهيارات في أسواق البورصة، وأحدث ضغوطات قاسية بوجه قطاعات الأعمال، وأوقف معظم مشاريع الدول والشركات والمستثمرين وعدّل من توقعاتهم.
لا بل أكثر، فقد شهدنا انخفاضاتٍ كبيرة في أسواق المال، وإقفالَ مؤسسات، وفقدانَ ملايين الوظائف، وتراجعاً هائلاً في الإنفاق والإستهلاك تسبّب بانهيار تاريخي في أسعار النفط، حيث شهد العالم وللمرة الأولى في تاريخ الأسواق أسعاراً سلبية لأحد المنتجات، وبالتحديد لنفط خام غرب تكساس، والذي غيّر خلال جلسة تداول الإثنين 20 نيسان (إبريل) قوانين التجارة الطبيعية بعد أن قام الباعة بعرضه مجاناً، بل حتى قاموا بدفع مبالغ وصلت الى حدود ٣٨ دولاراً عن كل برميل للتخلص منه.
كل ذلك ترافق مع تدنٍّ في أسعار الفوائد وتخلّف عن إيفاء القروض والإلتزامات وتراجع التحويلات، ما استدعى لجوء الدول إلى استخدام احتياطاتها على شكل معونات وحزمٍ اقتصادية لإنقاذ المؤسسات الإنتاجية من الإفلاس، ولتفادي خطر العَوز وتبعاته على الأوضاع الإجتماعية.
هذا الواقع المُستجد الذي تركه انتشار الفيروس التاجي عالمياً، يقودنا إلى السؤال ماذا بعد؟
بعيداً من معرفة  قدرة الأفراد والمؤسسات الإنتاجية على الصمود طويلاً في مواجهة تداعيات الحظر والإغلاق، تبدو الحاجة ملحة للنظر إلى ما بعد انتهاء الأزمة والتغيّرات المُرتَقَبة في أساليب العيش والعمل على مختلف الصعد.
فعلى صعيد المُستثمرين ستحمل الفترة المقبلة تحدّيات كبيرة، تبدأ بتحدّي القدرة على معاودة الإنطلاق في ظل تباطؤ الطلب، فضلاً عن الغموض الذي يلف مسار هذه الجائحة وتخوّف الشركات والدول من ضخ استثمارات ضخمة في ظل مستقبل غير واضح، مروراً بتحدّي تغيّر سلوك المُستهلِكين وتوجهّهم أكثر نحو التسوّق الإلكتروني، حيث ستنشط خدمة التوصيل إلى  باب المستهلك، وستتعزز أولوية السلامة الفردية، لا سيما في الفترة التي تلي انتهاء الوباء مباشرة وإلى حين عودة الأمور تدريجاً الى طبيعتها مع زوال الحذر والرهاب من العدوى.
هذا في ما خصّ المؤسسات التجارية والصناعية، لكن الأصعب سيكون من نصيب المؤسسات الخدماتية ومراكز الضيافة والترفيه التي ستُعاني طويلاً قبل استعادة الإكتظاظ الذي كانت تشهده عادة، كالفنادق والمطاعم والمقاهي والمسارح ودور السينما والملاهي الليلية والنوادي الرياضية والألعاب والبطولات العالمية، وباختصار كل أشكال التجمعات وصولاً إلى المُناسبات الإجتماعية.
وعلى صعيد الحكومات فمن المتوقع السماح بعودة الحياة تدريجاً مع بعض التشدّد في انتقال الأفراد بين الدول من دون مُبرّر مُقنع، واستمرار التحوّطات الصحية اللازمة خصوصاً في المطارات والمرافئ ونقاط الحدود البرية، مع تعزيزٍ دائم للقطاع الصحي الإستشفائي.
من جهة أخرى فإن التحدّي الأهم بالنسبة إلى الكثير من الدول، لا سيما تلك التي انتشر فيها الوباء بقوة والتي عانت من نقصٍ في المواد والتجهيزات اللازمة لمواجهة الوباء، هو تحدي التوجه نحو تحقيق الإكتفاء الذاتي وتنويع موارد الدخل القومي المحلي وخلق فرص عمل جديدة، والسعي للحدّ من الإعتماد على عائدات النفط بالنسبة إلى الدول المُنتِجة، وتشجيع الأبحاث الطبية والعلمية، ودعم قطاعات الإنتاج الأساسية من زراعة وصناعة وتكنولوجيا، حيث سيترك الفيروس أثره في القرارات الإقتصادية والحمائية التي تنتهجها معظم الدول، وسيترافق ذلك مع صحوةٍ إجتماعية ورغبة جامحة في العودة لدعم الإنتاج المحلي بدأت تتضح ملامحه من خلال عودة المبادرات الفردية الخاصة لناحية الإهتمام بالممتلكات الزراعية وتربية الحيوانات الأليفة.
اما على صعيد العلاقات الدولية، فإن الصراع الجيوسياسي في العالم سيبقى سمة المرحلة المُقبلة، فالفيروس الخفي الذي عَبَر الحدود من دون جواز سفر، لم ولن ينجح – وللأسف – في إيقاظ الضمير الإنساني، حيال ما جنته الأنانية لدى معظم قيادات العالم، بدل التعاون والجهود المُشتَرَكة والتكاتف في إيجاد الحلول لمشاكل تُهدّد العالم بأسره وليس بلداً بذاته، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مشكلة ثقب الأوزون الذي رأينا كيف أنه حالياً قد التأم بفعل التوقّف شبه الكامل عن الإستخدام المُفرط للوقود الأحفوري، وكأن الدول الكبرى خصوصاً، وبقية دول العالم تُكابر في الإعتراف بالإيجابيات التي حملها الفيروس لنا جميعاً.
بالإضافة إلى الأنانية التي ستبقى سائدة بالوتيرة ذاتها، لن ينجح الفيروس في كسر الحدود السياسية وتخفيف حدة الخلافات على المصالح بين القوى الدولية المُتصارعة، بين أميركا الخائفة على اهتزاز موقعها المُتصَدِّر، وأوروبا المُترَدّدة في أن تصبح قوة، والصين التي أكّدت حضورها، وروسيا التي أظهرت أنه من الخطأ تجاهلها، لن يُغير الوباء هذه الصورة وإن بدت مهتزة، وستبرز بشكل لافت القوى الإقليمية الساعية إلى الإستقلال الإقتصادي والراغبة في تعزيز مناعتها السيادية لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة بعضها يتعلق بالأمن الغذائي والسلامة والبيئة.
سريعاً سينسى العالم “كورونا”، وسينصرف الحكام إلى مصالحهم وصراعاتهم الإقتصادية والسياسية المُعتادة، ولكن من المؤكد أن الإهتمام سينصب مباشرة بعد انتهاء الحظر على اعتماد خطط الإنعاش والتحفيز لاستعادة مسار النمو، ومع الوقت سيتعافى الإقتصاد وستعود دورة الإنتاج الى طبيعتها وربما بشكل أقوى، وستبقى الأسئلة الأهم بعيداً من السياسة والإقتصاد: مِن أين أتى هذا الوباء، وهل كان انتشاره محض مصادفة؟ مَن يحمي الإنسانية من خطر انتشار الأوبئة الفيروسية الناتج عن بعض السلوكيات الغذائية الغريبة؟ مَن يَحميها من خطر التجارب الفيروسية وابتكار الأسلحة الجرثومية التي قد تتسبب بفناء البشر جميعهم؟ ثم من يَضمن عدم تسرّب هذه الفيروسات وانتشارها بشكل أعنف من جديد؟
أسئلة ربما ستبقى بصيغتها الإستفهامية لسنوات إذا لم تُغيّر الدول المُتحَكِّمة بعالمنا من نهجها تفكيراً وسلوكاً حيال هذه المشاكل المُستجِدّة وغيرها من المشاكل الآتية، والتي ربما تكون أيضاً أشد خطراً ووطأة على الإنسانية جمعاء.

سليم مهنا، مصرفي وباحث إقتصادي لبناني.

المصارف اللبنانية وأزمة الدين العام

بقلم سليم مهنّا*


لم يَعُد سراً أن المصارف اللبنانية تُواجه مشكلةً حقيقية في توفير السيولة لعملائها الذين فَقَدوا الكثير من ثقتهم بالقطاع المصرفي اللبناني، وذلك بعد إحجامها عن إجراء التحويلات المالية إلى الخارج، وتوقّفها عن دفع العملات الأجنبية نقداً بعد ردحٍ طويل من الزمن كان فيه الدولار الأميركي مُلازماً للتعاملات النقدية في المصارف إلى جانب الليرة اللبنانية.


كيف ظَهَرت هذه الأزمة المالية ولماذا لم يتمّ تداركها مُسبَقاً؟ هل تعاطت المصارف مع تمويل الدين العام بخفّة ففرّطَت بمصلحة المُودِعين عبر حصر غالبية “استثماراتها” في سندات الدين العام، وتسبّبت بتراكمه إلى درجة التخلّف عن سداد الديون السيادية وتصنيف لبنان للمرة الأولى في تاريخه كبلدٍ شبه مُفلس ومُتخلِّف عن الإيفاء؟


من المعلوم أن المصارف الخاصة في كل أنحاء العالم تعمل برعايةٍ ورقابةٍ من المصارف المركزية، وتتأثر فيها تأثّراً عميقاً وقوياً. وهذا التأثير يزداد قوة في البلدان ذات الإقتصادات الضعيفة حيث تلجأ المصارف الخاصة بشكل دائم إلى المصارف المركزية لحمايتها ومدّها بالسيولة لا سيما خلال الأزمات الأمنية والإقتصادية. وهذا ما كان يحدث تكراراً في لبنان، ما جعل من المصرف المركزي حاجةً وضرورةً لاستمرار المصارف في تقديم خدماتها، ولبقائها في بعض الأحيان.


لقد دأب مصرف لبنان على الطلب من المصارف التجارية شراء سندات الخزينة المحلّية وسندات “اليوروبوندز”، وتشجيعها على ذلك مُقابل فوائد مُغرية، ما حدا بها الى دفع فوائد مُرتفعة أدّت الى جذب ودائع محلية وخارجية ضخمة، حيث بلغ إجمالي ودائع القطاع المصرفي اللبناني مستوىً قياسياً وصل الى ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي.


وفي حين استمرت المصارف على هذا النحو في تمويل الدين العام برغم المخاطر الناجمة عن تركيز التوظيف باتجاه واحد، وفي ظل النزف المُستمر لاحتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية، ومع الإضطرابات الكبيرة في المنطقة وتراجع المؤشرات الإقتصادية، برزت الى الواجهة أزمة سيولة حادّة انعكست على مرونة المصارف وأجبرتها على اتخاذ تدابير صارمة تمثّلت في تقييد السحوبات الداخلية والتحويلات الى الخارج، في سابقة لم تحصل طوال تاريخ القطاع المصرفي الذي طالما تمتّع بسمعة إقليمية وعالمية ممتازة.


أمام الوضع الحالي لا بل المأزق الحالي، تبرز جملة تساؤلات حول ما حدث أبرزها:


–  ماذا كان دور السلطة السياسية ووزارة المال وأجهزة الرقابة تحديداً؟ ولماذا تمّ التعامي عن الواقع المالي للمصرف المركزي والبحث دائماً عن تبريرات لإجراءاته وسياساته النقدية؟


–  لماذا استمرت المصارف الخاصة بتوظيف مُعظم أموال المُودعين في المصرف المركزي، لاسيما في السنوات الأخيرة ما قبل الأزمة، حيث كثر الحديث والتقارير المُقلقة عن حجم الدين العام والإحتمالات المؤكّدة لحصول أزمة مالية خطيرة في ظل استمرار السياسات المالية والاقتصادية الضعيفة والنزف المتواصل في مالية الدولة نتيجة المُناكفات السياسية والهدر والفساد المُستشري؟


–  هل كان ينبغي على المصارف التنبّه مُبكراً جداً لخطورة ما يحدث، والتوقّف فوراً تحت أية ضغوطات أو مُبرّرات عن تمويل النظام السياسي اللبناني من أموال مُودعيها، وعدم تعريضهم لخطر فقدان مُدّخراتهم، وتالياً تعريض المصارف ذاتها لخطر فقدان السيطرة والإفلاس؟


–  لماذا استمر المصرف المركزي بسياسة حماية سعر صرف الليرة واستنزاف الاحتياط من العملات الأجنبية والمُكوَّن أساساً من ودائع المصارف لديه، وهو يعلم يقيناً انه لن يستطيع الإستمرار بهذه الحماية الى أجل طويل بسبب الخلل الخطير في الميزان التجاري والحاجة الدائمة إلى ضخّ كميات كبيرة من العملات الأجنبية غير المتوفرة؟ لماذا لم يقم بالتحرير التدريجي لسعر الصرف بدل المكابرة المُكلفة لحماية العملة الوطنية؟


الإجابة عن الأسئلة السابقة تؤكّد غياب دور السلطات المالية المُناط بها مراجعة السياسات النقدية والمالية ومراقبتها، فضلاً عن تخلّف المصارف عن دورها في تحليل وضعية مصرف لبنان وطلب التوضيحات والضمانات اللازمة منه، وعدم اتخاذها لقرارٍ جريء بالتوقّف عن اقراض الدولة من خلاله، والتزامها عدم تجاوز هذا الدين لحدٍّ مُعيَّن أو نسبة مُعيَّنة من موجوداتها مهما كانت الضغوطات والمُغريات.


تتحمل المصارف مسؤولية عدم إعلان حالة طوارئ مالية للفت الإنتباه إلى خطورة استمرار ما كان يحدث من نزف مُتواصل، كما تتحمّل مسؤولية الإسهام في جذب المزيد من رؤوس الأموال بفوائد مُرتفعة لتوظيفها في سندات الدين العام وتحقيق مكاسب مَهُولة بغض النظر عن المخاطر الحقيقية الواضحة في ما يتعلّق بقدرة مصرف لبنان على إعادة الودائع المُوظّفة لديه عند استحقاق آجالها.


هل فقدت الدولة والمصارف الخاصة السيطرة، وما هي الخطوات الضرورية لوقف التدهور واستعادة الثقة؟ برأينا ورأي الكثير من الخبراء المُتابعين أن الفرصة ما زالت قائمة لمُعالجة الوضع عبر العديد من الإجراءات المالية والإقتصادية، ومنها جدولة الدين العام وإعادة هيكلته، والإستفادة من الموجودات المهمة للدولة وأهمها الذهب والمرافق الحيوية والأصول العقارية، فضلاً عن الفرصة الواعدة باستخراج الغاز والنفط، ولكن الأهم والملح جداً هو وقف التسيّب والهدر والفساد، وترشيد الإنفاق العام، وتفعيل دور القضاء في استعادة الأموال العامة المنهوبة، واستعادة ثقة الناس والجهات الدولية القادرة على مساعدة لبنان لتجاوز الصعوبات والإنطلاق من جديد.

مصرفي وباحث إقتصادي لبناني


نشر في مجلة "أسواق العرب " الصادرة في لندن