2020/07/04

لا تَتأخّر يا دولة الرئيس فالشعبُ ينتظر !



لا تَتأخّر يا دولة الرئيس فالشعبُ يَنتظر!

فى: يوليو 03, 2020
بقلم سليم مهنّا*

بعد الركود العالمي الذي تسبّبت به جائحة “كورونا” وتَقلُّص آمال لبنان في الحصول على مساعدات مالية أو قروضٍ مُيسَّرة، وفي ظلّ الصعوبات الكبيرة التي تُواجهها حكومة حسّان دياب لاحتواء الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية القاسية وعدم قدرتها على تمويل الإستثمارات اللازمة لتطوير المرافق العامة الحيوية واستحداث مرافق جديدة، وبين مَن يُريد التوجه لطلب المساعدة من الشرق ومن يريدها من الغرب، تبذل الحكومة جهوداً لمواجهة تركةٍ ثقيلة من الدين العام وتخلّف الخدمات الأساسية، في ظلِّ موجةٍ عارمة من الغلاء الفاحش وارتفاع معدلات البطالة وانهيار سعر صرف العملة الوطنية.

وفيما يعاني لبنان من نتائج تلك الأزمات المُتلاحقة، وتراجع حجم الإستثمارات المحلية والأجنبية في قطاعات الإنتاج والخدمات إلى أدنى حدوده، يبرز التساؤل حول إمكانية إيجاد مخارج للأزمة الحالية والسُبُل الآيلة إلى إنقاذ البلاد من تداعيات الإنكماش الاقتصادي ومخاطر الركود في مختلف قطاعات الإنتاج، في ظل الموارد الحكومية المحدودة وتقييد حركة أموال القطاع الخاص في المصارف، حيث تبدو الحاجة ملحة للبحث عن مصادر تمويل تعمل كمُنشّطاتٍ اقتصادية، من دون الحاجة إلى الإقتراض الخارجي الذي بات صعب المنال بعد إعلان تخلّف لبنان عن دفع ديونه السيادية.

قد يكون لبنان دولة فقيرة بمواردها الطبيعية الصالحة للاستخراج والبيع، على الرغم من وجود مؤشرات قوية الى امكانية تحوّله الى دولة نفطية، لكن قوة لبنان تكمن في قدراته الذاتية ومواهب أبنائه الفاعلين في كل أصقاع الأرض، الذين يُبدون كامل استعدادهم لدعم اقتصاد بلدهم اذا ما توفّرت عوامل الإستقرار التي تكفل حقوقهم كمواطنين وكمستثمرين على حد سواء.

ولأن الوضع لا يحتمل الإنتظار، ينبغي البحث سريعاً في البدائل المُتاحة للتمويل، والبدء فوراً بتنفيذ المشاريع الحيوية. فإذا كانت الدولة غير قادرة لأسبابٍ مالية على تنفيذ الاستثمارات الأساسية اللازمة لدفع عجلة النمو، وغير قادرة على استقطاب الدعم المالي الخارجي لأسباب اقتصادية وسياسية، فإن الفرصة تبقى مُتاحة للاستفادة من حيوية القطاع الخاص عبر تحفيزه للدخول على خط تنفيذ تلك المشاريع الضرورية وفقاً لنظام البناء والتشغيل العالمي المعروف ب”بناء – تشغيل – نقل ملكية” ( B.O.T)، حيث يتحمّل القطاع الخاص بموجب هذا النوع من العقود تكلفة تطوير او إنشاء هذه المرافق الحيوية ومخاطر تشغيلها، الى أن يحين موعد تسليمها للدولة عند انتهاء عقود استثمارها، وهو بالمناسبة نظام عالمي مُعتمَد في أغنى دول العالم وأكثرها تطوراً، بمعنى أنه ليس وصفة سحرية للدول الفقيرة او النامية.

تتبدى أهمية هذا النوع من التعاون مع القطاع الخاص في نواحٍ عدة أبرزها:

*  تخفيف العبء عن موارد الخزينة المحدودة؛

* تحسين ظروف عمل الإقتصاد وزيادة قدرته الإستيعابية؛

* توفير البيئة المُناسبة للتنمية الإقتصادية والإجتماعية؛

* إدخال استثماراتٍ جديدة بتمويل خارجي وبعملة أجنبية، والإستغناء عن إنشاء ديون جديدة وأعباء خدمة هذه الديون؛

*  الإستفادة من خبرات القطاع الخاص في إنشاء وتشغيل المرافق العامة ونقل التكنولوجيا الحديثة إلى داخل البلاد؛

* إتاحة مزيد من فرص العمل وتنشيط السياحة ودورة الإنتاج؛

*  إشراك رؤوس الأموال الداخلية، خصوصاً تلك الموجودة خارج القطاع المصرفي في الإستثمارات المحلية.

من البديهي القول إن لبنان قد تخلّف طويلاً عن إقامة المشاريع الأساسية التي تُحدث أثراً إيجابياً في بيئة الإستثمار، وتعمل على تحسين ظروف الإقتصاد الوطني وزيادة تنافسيته وفرص نموه، وعليه فإننا بحاجة ماسة إلى تحريك المياه الراكدة وإطلاق ورشة التنمية على الصُعُد كافة، والإستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال.

أمام الحكومة فرصٌ حقيقية لطرحِ مشاريع تطويرية للمرافق العامة وفقاً لقواعد نظام ” BOT” ، وبوسعها اختيار المشاريع التي ترفع معدلات النمو وتُحدثُ فرقاً في حياة الناس ورفاهيتهم، وتُحقّق فائضاً في موارد الدولة.

إن معالجة أزمة الديون لا تتم بالإنكماش ووقف المشاريع الإنتاجية، وإنما بالدفع نحو قيام الاستثمارات الحيوية والسعي إلى توسيع مجالات الإنتاج وزيادة حجم الناتج المحلي الاجمالي لتحقيق فائض إيجابي في ميزان المدفوعات، ووقف مسلسل العجز في موازنة الدولة.

نحن بحاجة الى خطة إنماء وازدهار وليس الى إعادة إعمار. نحتاجُ الى إدارةٍ سليمة تملك الخبرة والرؤية والإرادة للعمل والنهوض من جديد.

الشعب ينتظر يا دولة الرئيس فلا تتأخّر أكثر.

سليم مهنا هو مصرفي وباحث مالي واقتصادي لبناني.

نشر في موقع مجلة "أسواق العرب " الصادرة في لندن بتاريخ 3/7/2020

ما علاقة الـ”كابيتال كونترول” بانخفاضِ سعر صرف الليرة اللبنانية؟

ما علاقة الـ”كابيتال كونترول” بانخفاضِ سعر صرف
 الليرة اللبنانية؟

كتبه: فى: يونيو 25, 2020: اقتصادي, رأي

بقلم سليم مهنّا*

تدنّي سعر صرف الليرة اللبنانية، بعد سنوات طويلة من الإستقرار “الإصطناعي”، لم يكن أمراً مُستَغرَباً لدى كثيرٍ من العارفين بالشؤون المالية والإقتصادية الذين كانوا يُراقبون بقلقٍ شديد إرتفاع أرقام الدَين العام في لبنان إلى مستويات خطيرة، في ظلِّ اختلالٍ كبيرٍ في ميزانه التجاري، واختلالٍ تاريخي في بنية قطاعاته الإنتاجية.

لقد أدّى انكشاف المصارف على الدين السيادي، وسوء تقديرها لوضع المالية العامة، إلى تُعرِّضها لأزمة سيولة غير مسبوقة، ما اضطرها الى اتخاذِ تدابير استثنائية قضت بتقييد عمليات سحب الودائع، ووقف التحويلات الى الخارج، أو ما يُصطَلَح على تسميته “ضوابط رأس المال” (Capital control).

وفيما كان القصدُ من عملية التقييد حماية المُودعين والحفاظ على سلامة الودائع، فقد أدّى هذا التدبير إلى تقليص العمليات المصرفية، وزيادة الطلب على العملات الورقية التي حلّت مكان الشيكات (الصكوك) والحوالات المصرفية ووسائل الدفع الإلكتروني، وتحوّلت الى أداة إيفاءٍ أساسية، وبدأت معها مرحلة ما يُعرف بالإقتصاد النقدي.

إثر ذلك لجأ المُستوردون الى اعتماد الدولارات الورقية لتسديد مُوجِباتهم تجاه المُصدِّرين، وبرزت ظاهرة “صرف الشيكات نقداً” وبالأخص الشيكات المصرفية، فانخفضت قيمتها وفقدت جزءاً كبيراً من مكانتها ودورها كوسيلة إيفاء بسبب رفض قبولها في المعاملات التجارية الداخلية، وتمنّع المصارف عن تحويل قيمتها إلى الخارج لتمويل المشتريات من السلع الأجنبية.

أمام هذا الواقع والتهافت على شراء الدولار الورقي لتمويل الإستيراد وغيره من الحاجات التي لا بديل من دفع ثمنها بالعملة الأجنبية، لا بدّ من التساؤل حول سلبيات شمول قرار تقييد التحويلات المصرفية لكل عمليات التحويل الخارجي من دون استثناء، وأضراره على ثقة المُودِعين وتالياً على سعر صرف الليرة.

فالقرارُ كما تمّ تطبيقه، لم يُميِّز بين المُودع الذي يقوم بتحويل أمواله لأجل تهريبها إلى مصرف أجنبي، وبين طالبٍ يتعلّم في الخارج، أو مريضٍ يحتاج إلى إجراء علاجٍ في دولة أجنبية، او تاجرٍ يستورد حاجات الاستهلاك المحلي من السلع الغذائية. وبالنتيجة أدّى هذا الإجراء “الوقائي” الى السلبيات التي ذكرنا، وحرم آلاف المودعين بالعملة الأجنبية ليس فقط من استعمال أموالهم في الخارج، بل أيضاً من استعمالها لتسديد ثمن مشترياتهم في السوق المحلية، بسبب عدم تمكّنهم من الحصول على الدولارات الورقية من المصارف من جهة، ورفض الباعة قبول الدفع بواسطة الشيكات او البطاقات وإصرارهم على البيع نقداً من جهة أخرى.

وفيما يحاول المصرف المركزي اجتراح الحلول لدعم الليرة ودعم أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، فإن الآلية التي أقرّها لجهة تأمين العملات الأجنبية للتجار بغية تمويل استيراد بعض السلع الأساسية، لن تكون كافية لسدِّ احتياجات التجارة الخارجية، كما أنه لا توجد وسيلة أو آلية فعّالة ومُحكَمة لمراقبة التجار المُستفيدين لضمان تخفيض أسعار السلع المُستورَدة وعدم احتكارها، وعلى الأرجح أن يذهب هذا الدعم الى جيوب التجار لا الفقراء.

إن محاولة السيطرة على سعر صرف الليرة عبر تأمين أموال الإستيراد بسعرٍ مُنخفض أو عبر ضخِّ بضعة ملايين من الدولارات الورقية في سوق القطع، ستُثبت عدم جدواها في كبح جماح ارتفاع الدولار، وستؤدي في النهاية الى استنزاف احتياط البنك المركزي من العملات الأجنبية من دون تحقيق هدفها الرئيس المُتمثّل بوقف ارتفاع أسعار السلع ووقف تدهور سعر الليرة. فرغم أهمية هذه التدابير من الوجهة الإجتماعية، إلّا أن تأثيرها في سوق القطع غير كافٍ في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، وتباطؤ الإنتاج وتراجع التدفّقات المالية التي كانت ترفد سوق القطع بالعملات الأجنبية وتَحُول دون ارتفاع اسعاد الدولار الأميركي، سواء من المغتربين والسياح، أو من أعمال التصدير والإستثمارات الأجنبية المباشرة.

وبانتظار تعافي الإقتصاد ونمو النشاط الإنتاجي، وعودة تدفّق العملات الأجنبية لا سيما من القطاع السياحي وتحويلات المغتربين، نرى أنه لا بديل من عودة القطاع المصرفي الى لعب دوره المُعتاد في تمويل العمليات الخارجية، ولا بدّ من تخفيف القيود المفروضة والسماح باستخدام جزءٍ من ودائع المصارف بالعملات الأجنبية لأجل تمويل استيراد السلع الأساسية الضرورية، من دون الكماليات، وقد يكون ذلك بناء لتصاريح خاصة من الوزارات المعنية، مع التشدّد في مراقبة أداء المصارف في هذا الخصوص، إذ من شأن هذا الإجراء أن يؤدي الى مجموعة إيجابيات، منها:

*  ضخ سيولة إضافية من العملات الأجنبية في السوق؛

* تخفيض الطلب على الدولار الورقي ووقف التهافت عليه؛

* عودة التعامل بالشيكات والحوالات لتمويل العمليات التجارية المحلية؛

* عودة استخدام البطاقات الإئتمانية في عمليات الإيفاء؛

* تمكين أصحاب الودائع بالعملات الأجنبية من استعمال أموالهم لشراء حاجياتهم من دون اضطرارهم لتقبّل خسارة جزءٍ مهم من قيمتها أثناء الدفع؛

*  طمأنة المُودعين إلى سلامة ودائعهم واستقرار قوتها الشرائية، ووقف وتيرة عمليات السحب التي ستؤدي إذا ما استمرت على الشكل الحالي إلى نقصٍ إضافي خطير في سيولة المصارف.

لقد تزايد الطلب على الدولارات الورقية نتيجة استخدامها كمستودع آمن للقيمة، وكأداة وحيدة لتحويل الأموال إلى الخارج، سواء لأغراضٍ شخصية او لشراء السلع الحياتية التي لا بديل من استيرادها، كذلك فقد أسهم تدهور قيمة الليرة السورية في ارتفاع الطلب على الدولار الورقي وتسبّب بزيادة الضغوط على الليرة اللبنانية جرّاء شحّ المعروض من الدولارات الورقية، وتزاحم حاملي العملتين اللبنانية والسورية على استبدال أموالهم بالدولار الأميركي.

إن عدم رفع القيود عن التحويلات المصرفية، ولو جزئياً، وضمن إطارِ الضرورة كما ذكرنا، سيدفع بإتجاه تعزيز الإقتصاد النقدي والإعتماد عليه أكثر فأكثر مُقابل تراجع دور المصارف وتقلّص حضورها، وسيُشجّع الإعتماد على خدمات التحويل الموازية على حساب القطاع المصرفي، وسيؤدي الى خروج المستثمرين الأجانب نحو البلدان التي يتمتّعون فيها بحرية مطلقة في حركة الأموال من دون قيد او شرط، وإلى إقفال مزيد من المصانع والمؤسسات التجارية والخدماتية، وزيادة البطالة وتفاقم الأزمات الإجتماعية المعيشية، وإلى تعميق أزمة الليرة يوماً بعد يوم بانتظار معجزة قد لا تحدث أبداً.

سليم مهنّا هو مصرفي وباحث إقتصادي ومالي لبناني