2012/08/20

الأزمة المالية ودور وكالات التصنيف


مئات بلايين الدولارات ضاعت في حمّى أسوأ أزمة مالية عرفها العالم منذ ثمانية عقود، في وقت يعاني العالم أزمة غذاء وارتفاعا في أسعار المواد الاستهلاكية، وتحذر الأمم المتحدة من تأثيرها السلبي على تمويل برامج مكافحة الفقر. وفيما تتجه الأنظار لمعرفة النتائج العملية لخطط الانقاذ المالي، أسئلة كثيرة تطرح على المستويات الشعبية فحواها القلق على المصير وهل سيحاسب المسؤولون عن هذا الزلزال المدمر، وكيف بدأت الأزمة ولماذا وكيف انتشرت مثل النار في الهشيم؟

هذه الأزمة التي التهمت تريليونات الدولارات من ثروات الأفراد والمصارف والحكومات، تعود جذورها إلى منتصف التسعينات، عندما بدأت المصارف الاميركية تسرف في التسليف لشراء أصول عقارية ومالية وتصدر سندات وتربطها بمشتقات مالية وتعيد التسليف عليها وتبيعها في الاسواق. بكلام مبسط لجأت هذه المصارف في تلك الفترة الى إعطاء قروض ميسرة لبناء المساكن بفوائد لم تتجاوز 1%، ما أدى الى نمو كبير في حركة عرض المساكن والطلب عليها، والى فورة عقارية شكلت عامل جذب للاستثمار في هذا القطاع.
كل شيء سار طبيعياً حتى بداية الألفين عندما رفع المركزي الأميركي أسعار الفوائد، إلى ما بين 4 و4.5%، ما حمّل المقترضين أعباء إضافية عجزوا عن الوفاء بها، واضطر الملايين منهم الى التوقف عن الدفع والتخلي عن منازلهم للمصارف المقرضة. ومع ارتفاع الفوائد ارتفعت كلفة شراء البيوت ما احدث حال ركود وتراجع دراماتيكي في الطلب، فتراجعت أسعار المنازل وتراكمت الديون المستحقة للمصارف ما أوقعها في أزمة سيولة.
وفيما كانت موجة الإقراض السكني في أوجها، أصدرت المصارف سندات في مقابل القروض، وطرحت السندات للاكتتاب فأقبل عليها المستثمرون على أساس أنها مضمونة بالبيوت. ولما كانت هذه السندات تعطي عائداً مجدياً، توجه المستثمرون إلى صناديق الاستثمار وباعوها إياها بضمانة البيت أيضاً. ومع توسع عمليات الإقراض السكني توجهت المصارف إلى شركات التأمين للتأمين على السندات، فقبلت الشركات الطلب كون السندات مضمونة بالبيوت، وهكذا بات البيت يشكل ضمانة لأربع جهات هي المصرف المقرض، المستثمر، صندوق الاستثمار، وشركة التأمين.
لقد عملت هذه المصارف بمنأى عن أي ضوابط ومنفلتة من أي رقابة، إلا أن أجهزة الرقابة الأميركية كانت تعرف بهذه الممارسات، ومع ذلك غضت النظر عنها انطلاقا من مبدأ حرية السوق ومن فلسفة ان قانون السوق والياتها كفيلة بتنظيم عملها، وربما أيضا عن سوء تقدير لقدرة السوق على الصمود. كما أن النتائج الايجابية لتي حققتها البورصات شجعت الناس العاديين على الدخول في هذه المغامرة من غير دراية بأصولها ومخاطرها فبات العمل يشبه المقامرة إلى درجة الرهان بكل شيء.
تعتبر عمليات التسنيد عمليات معقدة، حيث لا يمكن تغليف الديون وإعادة بيعها دون إضافة تحسينات على الأوراق والسندات المالية الناتجة عنها. وهنا يأتي دور وكالات التقييم الخارجي لمخاطر الائتمان، أو ما بات يعرف بوكالات التصنيف، وأبرزها شركة موديز وشركة ستاندر أند بورز وشركة فيتش، حيث كان لها الدور الأهم في نشوء وتطور عمليات التسنيد وإعادة التسنيد.
لقد لعبت هذه الوكالات الدور الأخطر في الأزمة بإجماع كل المراقبين المصرفيين والماليين وحتى الاقتصاديين، فعدم القدرة أو التقصير الفاضح أو حتى التواطؤ في عملها، كان السبب الأبرز في تضليل المستثمرين من مصارف ومؤسسات مالية، عندما أعطت أفضل وأقوى درجات التصنيف الائتماني لتلك الأدوات المالية المركبة والمعقدة المنشأة على أصول ائتمانية مسمومة هي القروض السكنية العقارية لذوي الملاءة الائتمانية السيئة، وقد طرحت أسئلة كثيرة تدور جميعها حول مصداقية عمل هذه الوكالات، منها:
- كيف يمكن لهذه الشركات تقديم حكم مهني موضوعي مستقل وموثوق في درجة المخاطر الائتمانية لأي أداة وهي تتقاضى بدلات أتعابها من مصدري هذه الأدوات؟
- كيف يمكن الركون إلى هذه التصنيفات واعتمادها مرجعاً في تقدير المخاطر وهي تعمل دون رقابة من أي سلطة أو هيئة حكومية؟
- كيف تخلت المؤسسات المالية العالمية ومنها المصارف على وجه الخصوص، عن مهمة تقييم المخاطر الائتمانية للأصول والأدوات المالية التي تقوم بالاستثمار فيها؟
- كيف شجعت السلطات الرقابية الاعتماد المفرط على التصنيفات التي تعطيها هذه الوكالات؟
أما الدروس التي يؤمل أن يكون استخلصها كل من المسؤولين والأسواق، فهي ضرورة تحويل جزء كبير من التمويل إلى القطاعات الاقتصادية المنتجة لا سيما في الصناعة والزراعة بدلا من تمويل الاقتصاد الريعي، الذي بينت الأزمة انه اقتصاد الفقاعات المبني على الرغبة في الربح السريع وغير القادر على الصمود أمام أي تبدل في معطيات السوق.
هل آن لكابوس الأزمة المالية الذي خيم على العالم ان ينتهي؟ وهل يكون العالم، قادة ومسؤولين، اتعظ من تداعياتها لتفادي خطر الوصول الى الانهيار المالي شبه التام، وتراجعَ خطوة حقيقية إلى الوراء في دعم ممارسة سوقية خارج الأصول والأنظمة؟

سليم سعيد مهنا – باحث مصرفي ومؤلف كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".
نشرت في العديد من الصحف والمواقع الألكترونية
2-1-2010