2009/12/25

الاقتصاد اللبناني وثقافة التنمية


سليم سعيد مهنا.

باحث مصرفي ومؤلف كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".


بعد مرور فترة على بدء الأزمة المالية العالمية، أصبح من الواقعي القول أن تداعياتها السلبية على لبنان كانت طفيفة، لا بل كان لها بعض الإيجابيات لا سيما على مستوى الثقة العالمية بالأداء المصرفي، هذه الثقة التي حمت لبنان في أحلك الظروف وأعادته الى الانتعاش سريعاً، بدءاً من احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية واحتياطي الذهب، مرورا بالودائع المصرفية التي بلغت مستويات قياسية جديدة.
ترافق ذلك مع نمو ملحوظ في الحركة السياحية وتزايد الثقة بالليرة اللبنانية كعملة إيداع واستمرار العمل ببعض المشاريع السياحية الطموحة من فنادق وغيرها، وتدفق الرساميل وفورة السوق العقارية وارتفاع مؤشرات النمو وعدم انخفاض قيمة تحويلات المغتربين، مما ساعد في تعزيز دعائم الاستقرار الاقتصادي والنقدي، هذا فضلاً عن قيام حكومة وحدة وطنية وخروج البلاد من نفق الانقسامات الحادة، واستتباب الوضع السياسي والأمني سواء في الداخل أو على الحدود الجنوبية.
هذه الأجواء الإيجابية تسهل بلا شك اندفاع الحكومة في تنفيذ برنامجها التنموي، انطلاقاً من دورها الأساسي في دفع جهود التنمية في المجالات كافة، إذ لا يمكن أن يوجد اقتصاد جيد من دون ادارة حكومية جيدة تعمل على تعزيز مناخ الاستثمار وتطلق حيوية العمل والانتاج وتسهم في خلق فرص العمل ومواجهة الفقر.
إن تجارب عديدة ومنها تجربة دبي تؤكد بما لا يقبل الشك أن الاستثمار الحقيقي لإحداث التنمية هو بالإنسان نفسه، حيث تمثلت نقاط ضعف هذه التجربة أنها بقيت غير محمولة من قبل الناس المعنيين بها أي مواطني دبي، كما أنها دفعت ثمن الاعتماد شبه الكلي على نمو القطاع العقاري وقطاع الخدمات وأبرزه السياحة.
وعلى هذا الأساس فإن الدولة مطالبة القيام بخطوات اصلاحية ملموسة والقيام بخطوات اقتصادية تحفيزية من خلال سلطاتها وأجهزتها المتعددة لدعم النشاط الاقتصادي الحقيقي خصوصا في ميادين الزراعة والصناعة، للحد من ظاهرة النزوح من الأرياف، والهجرة بطبيعة الحال، فالزراعة تعني زرع الناس في أرضهم، وهي مع الصناعة ضرورية لتثبيت سيادة الدولة واستقلاليتها من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي والتقليل من الحاجة الدائمة للاستيراد ومساوئه.
كما أن عملية التنمية الاقتصادية بحاجة إضافة إلى الاصلاح والأمن والاستقرار السياسي، إلى ثقافة تربوية اجتماعية واقتصادية وبيئية تؤمن بضرورة التطور، أي الى ثقافة التنمية. وتعني الحاجة إلى خلق مناخ استثماري متكامل يؤمن سهولة إنشاء الأعمال وتطويرها، والحاجة الى قوانين حديثة ترعى مصالح المستثمرين، وإلى قضاء نزيه يبت بنزاعاتهم. هذا المناخ يبدأ من مكتب الهجرة والجمارك والأمن العام والموانئ والمطارات، وصولا الى الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ووسائل نقل واتصال وانترنت، الى المطعم والفندق وسائق التاكسي وحتى الى العتال الذي يحمل الأمتعة.
لذا على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها وأن تختار الأسلوب الصحيح لتتعاطى به مع الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، والحد من التدخلات السلبية التي ارتدت بالضرر على كثير من القطاعات الانتاجية، وصلت في بعض القطاعات إلى درجة لا يتطلع فيها المواطن الى دعم الدولة بقدر ما يرجو منها رفع الضرر الناتج عن قراراتها الارتجالية والمغلوطة.
في قيادة عملية التنمية لا يوجد شيء اسمه الحظ، بل هناك التخطيط والدراسات والافادة من التجارب، فالحظ ليس شيئاً مجرداً يولد من رحم الصدفة، إنه نقطة الالتقاء بين التحضير الجيد والفرصة.

2009/12/15

الأزمة المالية ودور وكالات التصنيف


سليم سعيد مهنا – باحث مصرفي ومؤلف كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".

مئات بلايين الدولارات ضاعت في حمّى أسوأ أزمة مالية عرفها العالم منذ ثمانية عقود، في وقت يعاني العالم أزمة غذاء وارتفاعا في أسعار المواد الاستهلاكية، وتحذر الأمم المتحدة من تأثيرها السلبي على تمويل برامج مكافحة الفقر. وفيما العالم ينتظر النتائج العملية لخطط الانقاذ المالي حول العالم، أسئلة كثيرة تطرح على المستويات الشعبية فحواها القلق على المصير وهل سيحاسب المسؤولون عن هذا الزلزال المدمر، وكيف بدأت الأزمة ولماذا وكيف انتشرت مثل النار في الهشيم؟
هذه الأزمة التي انفجرت مثل كرة نار في وجه العالم أجمع غير مستثنية أحدا من لهبها، ملتهمة تريليونات الدولارات من ثروات الأفراد والمصارف والحكومات، تعود جذورها في الواقع إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، عندما بدأت المصارف الاميركية تسرف في التسليف لشراء أصول عقارية ومالية وتصدر سندات وتربطها بمشتقات مالية وتعيد التسليف عليها وتبيعها في الاسواق. بكلام مبسط لجأت هذه المصارف في تلك الفترة الى إعطاء قروض ميسرة لبناء المساكن بفوائد لم تتجاوز الواحد في المئة ما أدى الى نمو كبير في حركة عرض المساكن والطلب عليها، والى فورة عقارية شكلت عامل جذب للاستثمار في هذا القطاع.
كل شيء سار طبيعيا حتى بداية الألفين عندما رفع الاحتياطي الفدرالي الأميركي أسعار الفوائد، وتحديدا بين 2001 و2003 إلى ما بين 4 و4.5%، ما حمّل المقترضين أعباء إضافية عجزوا عن الوفاء بها، واضطر الملايين منهم الى التوقف عن الدفع و التخلي عن منازلهم للمصارف المقرضة. ومع ارتفاع الفوائد ارتفعت كلفة شراء البيوت ما احدث حال ركود وتراجع دراماتيكي في الطلب، فتراجعت أسعار المنازل وتراكمت الديون المستحقة للمصارف ما أوقعها في أزمة سيولة. قبل الوصول إلى هذه المرحلة، وفيما كانت موجة الإقراض السكني في أوجها، أصدرت المصارف سندات في مقابل القروض، كون الأخيرة مضمونة بالبيوت، وطرحت السندات للاكتتاب فأقبل عليها المستثمرون على أساس أنها مضمونة بالبيوت. ولما كانت هذه السندات تعطي عائداً مجدياً، توجه المستثمرون إلى صناديق استثمار وباعوها إياها بضمانة البيت أيضاً.
ومع توسع عمليات الإقراض السكني توجهت المصارف إلى شركات التأمين للتأمين على السندات، فقبلت الشركات الطلب كون السندات مضمونة بالبيوت، وهكذا بات البيت يشكل ضمانة لأربع جهات هي المصرف المقرض والمستثمر وصندوق الاستثمار وشركة التأمين. تعتبر عمليات التسنيد عمليات معقدة، ويتداخل في تنفيذها عدة جهات حتى تؤمن انتقالها من المنشئ الأول (المصرف) إلى المستثمر الأخير، ولا يمكن تغليف الديون وإعادة بيعها دون إضافة تحسينات على الأوراق والسندات المالية الناتجة عن عملية التسنيد. ومن هنا يأتي دور وكالات التقييم الخارجي لمخاطر الائتمان، أو ما بات يعرف في العالم بوكالات التصنيف (Rating Agencies). وكان لهذه الوكالات الدور الأهم في نشوء وتطور عمليات التسنيد وإعادة التسنيد، حيث تكاد لا تكتمل أي عملية تسنيد مهما كانت مبسّطة من دون إعطاء تصنيفات محددة لكل شريحة من شرائح السندات الناتجة عن هذه العملية والتي تختلف بطبيعة الحال عن غيرها من خلال نوعية الأصول المنشأة عليها هذه السندات ومستوى التحسينات الطارئة عليها، وكذلك الدرجة الائتمانية للمصدر ذاته.

لقد لعبت هذه الوكالات الدور الأخطر في الأزمة الائتمانية بإجماع كل المراقبين المصرفيين والماليين وحتى الاقتصاديين، فعدم القدرة أو التقصير الفاضح أو حتى التواطؤ في عمل هذه الوكالات، وخصوصاً في تحديد درجة الملاءة الائتمانية للسندات والأدوات المالية المركبة والمعقدة كان السبب الأبرز في تضليل آلاف المستثمرين من مصارف ومؤسسات مالية. فقد أعطت وكالات التصنيف أفضل وأقوى درجات التصنيف الائتماني لشرائح معينة من السندات الناتجة عن استعمال عمليات إعادة التسنيد، أي لتلك الأدوات المالية المركبة والمعقدة المنشأة على أصول ائتمانية مسمومة هي القروض السكنية العقارية لذوي الملاءة الائتمانية السيئة. وتعتبر ثلاث وكالات عالمية للتصنيف المحتكر الوحيد لهذه الصناعة المرتبطة عضوياً كما ذكرنا في أساس نشوء ونمو الأسواق المالية في العالم وهي شركة موديز (Moody’s) وشركة ستاندر أند بورز (Standard & Poor’s) وشركة فيتش (Fitch).
وقد طرحت أسئلة كثيرة تدور جميعها حول مصداقية عمل هذه الوكالات، منها:
- كيف يمكن لهذه الشركات تقديم حكم مهني موضوعي مستقل وموثوق في درجة المخاطر الائتمانية لأي أداة وهي تتقاضى بدلات أتعابها من مصدري هذه الأدوات؟
- كيف يمكن الركون إلى هذه التصنيفات واعتمادها مرجعاً عالمياً وحيداً في تقدير المخاطر وهي تعمل دون رقابة من أي سلطة أو هيئة حكومية؟
- كيف تخلت المؤسسات المالية العالمية ومنها المصارف على وجه الخصوص، عن مهمة تقييم المخاطر الائتمانية للأصول والأدوات المالية التي تقوم بالاستثمار فيها؟
- كيف شجعت السلطات الرقابية الاعتماد المفرط على التصنيفات التي تعطيها هذه الوكالات؟

لم تكن أزمة الرهن العقاري السبب الوحيد أو الرئيس لانهيار الأسواق المالية الأميركية وذوبان المدخرات والثروات في أتون المضاربات، بل كانت الشرارة التي أشعلت حرائق الأسواق حول العالم، حيث أفرطت المصارف الأميركية والأوروبية في إعطاء قروض لا تتمتع بضمانات كافية، في سوق العقارات وفي غيرها من الأسواق إما عن مخاطرة غير محسوبة أو عن سوء تقدير. وعملت هذه المصارف بمنأى عن أي ضوابط ومنفلتة من أي رقابة. إلا أن أجهزة الرقابة الأميركية كانت تعرف بهذه الممارسات، ومع ذلك غضت النظر عنها انطلاقا من مبدأ حرية السوق ومن فلسفة ان قانون السوق والياتها كفيلة بتنظيم عملها، وربما أيضا عن سوء تقدير لقدرة السوق على الصمود. ولم يقتصر هذا السلوك الجامح على المصارف التقليدية بل تعداه إلى مصارف الاستثمار الكبرى في العالم التي استسهلت الاستثمار في أدوات مركبة، احتمالات الربح والخسارة فيها مرتفعة جدا، كما أن النتائج الايجابية لتي حققتها البورصات في فترة الازدهار شجعت الناس العاديين على الدخول في هذه المغامرة من غير دراية بأصولها ومخاطرها فبات العمل يشبه المقامرة إلى درجة الرهان بكل شيء. لقد شهد العالم أزمات مالية متكررة منذ عام 1987 إلا أنها لم تكن بهذه الحدة، وهي لم تكن لتتكرر لو اتخذت في حينه إجراءات صارمة لردع المتلاعبين بالأسواق، والأخطر من ذلك هو في حتمية اشتعال أزمات مماثلة في المستقبل ما لم توضع ضوابط تنظيمية ومعايير صارمة لعمل الأسواق ومعاقبة أي مخل بها.
أما الدروس او العبر التي يؤمل أن يكون استخلصها كل من المسؤولين والأسواق، فهي ضرورة تحويل جزء كبير من التمويل إلى القطاعات الاقتصادية المنتجة لا سيما في الصناعة والزراعة بدلا من تمويل الاقتصاد الريعي الذي بينت الأزمة انه اقتصاد الفقاعات المبني على الرغبة في الربح السريع وغير القادر على الصمود أمام أي تبدل في معطيات السوق. هل آن لكابوس الأزمة المالية الذي خيم على العالم ان ينتهي؟ وهل يكون العالم ، قادة ومسؤولين، اتعظ من تداعياتها لتفادي خطر الوصول الى الانهيار المالي شبه التام، وتراجعَ خطوة حقيقية إلى الوراء في دعم ممارسة سوقية خارج الأصول والأنظمة؟

2009/12/14

إصدارات المركز


صدر عن مركز الدراسات الاستشارية كتاب جديد للباحث المصرفي الأستاذ سليم سعيد مهنا، بعنوان "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق" ، وهو متوفر أمام القراء في فروع مكتبة أنطوان اللبنانية وفي فروع "فرجين ميغا ستور" وفي معظم المكتبات الكبرى في لبنان.

يمكنكم طلب الكتاب عبر موقع "نيل وفرات" أو عبر مركز الدراسات الاستشارية على البريد الالكتروني : salimmhanna@hotmail.com
هاتف: 009613261040
009618591595

أهداف المركز


تأسس مركز الدراسات الاستشارية في مطلع العام 2009 بإرادة نخبة من الخبراء والأساتذة من مختلف الاختصاصات العلمية، بهدف القيام بدراسات الجدوى الاقتصادية ، خصوصاً تلك المتعلقة بدراسة المشاريع الاقتصادية الانمائية للمؤسسات والأفراد، وتلك التي تطلبها المصارف من عملائها لأجل منحهم القروض الميسرة المتوسطة والطويلة الأجل.

كما أن من أهداف المركز إجراء الدراسات والبحوث الإحصائية ودراسة حاجات المناطق اللبنانية للمشاريع الإنمائية وفرص الاستثمار الممكنة والقابلة للتطبيق ضمن ظروف هذه المناطق. يتطلع المركز إلى ضم أكبر عدد ممكن من الخبراء والاستشاريين ومن الطلاب حديثي التخرج وإقامة منتدى حواري ثقافي دائم،يسمح بتبادل الآراء والأفكار ومناقشة المواضيع الاقتصادية والعلمية والاجتماعية كافة.

على الراغبين بالانتساب إلى المركز الاتصال على الرقم 009613261040
او عبر البريد الالكتروني: salimmhanna@hotmail.com