2020/05/30

الليرة اللبنانية... إلى أين؟

بقلم سليم مهنّا*

منذ خروج أميركا من اتفاقية “بريتون وودز” في العام 1971، أُلغِيَت عملياً آلية ثبات سعر صرف العملات، وحلّت مكانها سياسة “تعويم العملة” التي تعني تحرير سعر الصرف وتركه يتحدّد بحرية وفق آلية العرض والطلب في الأسواق، حيث أصبحت العملة مُرتبطة بكفاءة الإقتصاد ونمو الناتج المحلي ومكانة الدولة سياسياً وعسكرياً.
وفيما اعتمدت معظم الدول سياسة “التعويم”، إلّا أن دولًا عديدة، كالصين ودول الخليج العربي، تبنّت سياسة تثبيت سعر الصرف مُعتمدةً على فائض ميزان المدفوعات لديها وعلى احتياطها الضخم من العملات الأجنبية، الذي يسمح لمصارفها المركزية التدخل عند الحاجة لحماية ثبات سعر العملة.
كان هدف المسؤولين اللبنانيين مع انتهاء الحرب الأهلية استعادة الثقة بالليرة وضمان الإستقرار النقدي، فاستعانوا بالنموذج الخليجي في تثبيت سعر الصرف مُتجاهلين التفاوت الكبير بين قدرات لبنان واقتصاده المُتَذبذب المُرتكز على قطاع الخدمات والسياحة، وبين قدرات دول الخليج النفطية وعوامل الإستقرار السياسي والاقتصادي ومجالات الإستثمار المُتعدّدة لديها.

لا شك أن سياسة التثبيت أعطت نتائج إيجابية لجهة طمأنة المُتعاملين بالليرة إلى استقرار قوّتها الشرائية، لكن ذلك لم يَحُل دون استمرار تعامل اللبنانيين بالدولار الأميركي كعملةٍ شبه أساسية في التعاملات التجارية والعقارية والمصرفية، ولم يَحُل أيضاً دون استمرار “دولرة” الودائع المصرفية بنسبة تفوق 70% في مؤشر يعكس القلق الدائم حول قوة الليرة ومستقبلها.

أما الأمر الأكثر غَرابةً فهو قيام الدولة اللبنانية نفسها باستعمال الدولار في تعاملاتها وتلزيماتها الداخلية، وأيضاً في تسعير واستيفاء رسوم بعض خدمات القطاعات المملوكة منها كالخلوي وشركة الطيران الوطنية، مع ما يُمثّل ذلك من انتقاص من “هيبة” الليرة ودورها كعملة رئيسة وكعنوان من عناوين السيادة الوطنية.
وفيما كان من المُفترَض ان تكون سياسة تثبيت سعر الصرف مؤقتة ومُرتَبطة بعاملَي الإستقرار الأمني والسياسي، غير أنها تحوّلت مع الوقت إلى دائمة، مع نزعة إلى المُكابرة والمُجاهرة بقدرة المصرف المركزي على حماية استقرار الليرة إلى ما لا نهاية بفضل الإحتياطات التي كَوَّنها من العملات الأجنبية.
إستطاع مصرف لبنان المُحافظة على ثبات سعر الصرف طوال عقدين من الزمن، مُستَنداً إلى  الفائض في ميزان المدفوعات والموجودات المهمة من الودائع في القطاع المصرفي، فيما كان العجز الخطير والدائم في الميزان التجاري مُستمرّاً في استنزاف العملات الأجنبية لتأمين تدفق السلع المستوردة.
ولكن مع انقلاب الفائض في ميزان المدفوعات إلى عجزٍ في السنوات الأخيرة، بات لزاماً على البنك المركزي أن يستمرّ برفع الفوائد والقيام بما عُرف بالهندسات المالية، وتحمّل أكلافها العالية لاستقطاب مزيد من الأموال، الى أن تكشّفت الأمور وظهرت الى العلن النتائج السلبية لسياسة التثبيت وكلفتها المالية الهائلة.
وإضافة إلى التكلفة المالية الكبيرة فقد تسبب تثبيت الليرة عند مستوى أعلى من قيمتها الحقيقية بخسائر اقتصادية فادحة. فعدا عن استنزاف احتياط العملات الأجنبية المُكوَّن بنسبة عالية من ودائع المصارف لدى مصرف لبنان، لقد فاقم سعر الليرة “القوية” حجم الخلل في الميزان التجاري، وأسهم في ضرب القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية، وسمح بإغراق الأسواق بالمنتجات المُستَورَدة، وزيادة عديد اليد العاملة الأجنبية، وعزّز ثقافة الإستهلاك، وأدى الى ارتفاع نسبة البطالة وتراجُع السياحة، والى تحوّلٍ كبير نحو القطاعات الريعية على حساب قطاعات الإنتاج الأساسية.
وإذا نظرنا الى الواقع الحالي فلا شك أن انهيار القوة الشرائية لليرة سيُفاقم المشاكل الإقتصادية والإجتماعية، وسيزيد من مُعاناة اللبنانيين، ولكن هل ستكون لهذا الإنخفاض آثار إيجابية في المدى المنظور؟
لقد أثبتت التجربة لا سيما في البلدان النامية، أن العلاقة بين انخفاض قيمة العملة وتحفيز الإقتصاد الوطني والحدّ من عجز الميزان التجاري ليست علاقة آلية، وإنما علاقة مشروطة بعوامل ومُحدّدات عديدة أبرزها:

مدى قدرة الإنتاج المحلي – تكنولوجياً ومالياً وبشرياً – على إنتاج بدائل للسلع المُستَورَدة مثل الآلات والمعدّات والأجهزة الإلكترونية، فضلاً عن الحبوب والمواد الغذائية؛

مدى نسبة المدخلات من المواد الأولية المُستورَدة بالعملات الأجنبية في عملية الإنتاج، وانعكاس ذلك بشكل آلي على أسعار المُنتجات النهائية التي ترتفع بدورها وتفقد تنافسيتها؛

مدى تجاوب الطلب على الصادرات والواردات مع تغيّر الأسعار الناتج من انخفاض قيمة العملة، حيث تنخفض أهمية عامل السعر على حجم طلب بعض السلع بسبب ارتكازها على مقوّماتٍ تنافسية مُتجاوزة للسعر كالجودة والإبتكار والمضمون التكنولوجي.

يبدو أن الحكومة اللبنانية قد استجابت في خطتها الإنقاذية لتوصيات صندوق النقد الدولي بتخفيض قيمة العملة كأحد شروط الصندوق للمساعدة، لذا فمن غير المتوقع ان تطلب من البنك المركزي التدخّل بقوة، وإن جُلّ ما يُمكن أن نتوقّعه هو محاولات لضبط التقلبات الحادّة في سوق الصرف، والحدّ من تعرّض الناس والتجّار لجشع الصرّافين، من دون أن يكون لذلك تأثيرٌ مهم على الإتجاه التصاعدي لسعر الصرف.
بناء عليه، سوف تبقى الليرة عرضة للتقلّبات والإهتزازات ضمن المَدَيَين القصير والمتوسط، وسيكون علينا ان نُراقب العناصر التالية لمعرفة مسار سعر الصرف في الفترة المقبلة:

مدى ارتفاع نسبة مساهمة قطاعات الإنتاج الحقيقي من زراعة وصناعة وتكنولوجيا في الناتج المحلي؛

أثر برنامج دعم قطاعات الإنتاج للمشاريع الصغيرة والمُتوسّطة الذي تُخطّط الحكومة لتنفيذه؛

مدى التوجّه لدعم فرص الإبداع والإبتكار لدى جيل الشباب؛

مُستوى نجاح محاولات استعادة الثقة بالدولة بعامة، والقطاع المصرفي بخاصة، وعودة التحويلات الخارجية؛

مدى ارتفاع حجم الصادرات وخفض الواردات للسيطرة على عجز الميزان التجاري؛

فُرَص عودة قطاع السياحة الى سابق عهده؛

نجاحُ فُرَص التنقيب عن الغاز والنفط؛

مدى تطوّر عودة النشاط التجاري العربي البيني؛

نجاح مساعي تفاوض الحكومة مع الدائنين؛

نجاح مُحاولات الحصول على مساعدات عاجلة وهِباتٍ من الدول الشقيقة والصديقة؛

السيطرة على المالية العامة وتوازن الموازنة؛

مستوى التقيّد بالإصلاحات التي أقرّتها الحكومة لوقف عجز الموازنة وتراكم الدين العام؛

فعاليّة مُحاسبة المُرتَكبين والفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة؛

مدى استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة.

ما لم تحصل إنجازاتٌ نوعية ملموسة وفاعلة في بعض أو كل تلك النقاط، فلا شيء سيُوقف انهيار سعر العملة الوطنية ومعه زيادة معدلات الفقر وانهيار وافلاس عشرات القطاعات، وربما انهيار الدولة عاجلاً أم آجلاً. وعلى الحكومة والمجتمع المدني والأفراد، كلٌّ من موقعه، المبادرة الى إنقاذ ما ينبغي إنقاذه قبل فوات الأوان.

سليم مهنّا هو مصرفي وباحث مالي واقتصادي لبناني.

نشرته مجلة "أسواق العرب" الصادرة في لندن
https://www.asswak-alarab.com/archives/20023

2020/05/22

كورونا… العالم ينتظر

بقلم سليم مهنّا*

لا شكّ أن العام 2020 سيُشكّل علامةً فارقة في عالمِ الأعمال والاستثمار،  حيث يستمر بحفر اسمه في ذاكرةِ الإقتصاد العالمي وربما تمتدّ تداعياته لسنوات بل لعقود طويلة.
لقد استهل العام إنطلاقته على وقع انتشارٍ خطيرٍ لوباء “كورونا” أو “كوفيد-19″، فظهرت معه بوادر أزمة عالمية جديدة ذكّرت الناس بالأزمات الإقتصادية الكُبرى التي تركت ندوبها في ذاكرة الأسواق، إذ تعطّلت الأعمال وتوقّفت حركة الإنتقال، وجثمت الطائرات في المطارات، وحُجِرَ الناس في بيوتهم، وتوقّفت معظم الأنشطة الإنتاجية حول العالم.
ولأن الخوفَ هو من أسرعِ العوامل انتشاراً، فقد انعكس من النتائج السلبية للوباء على الإقتصاد العالمي حيث تسبب بركود اقتصادي وانهيارات في أسواق البورصة، وأحدث ضغوطات قاسية بوجه قطاعات الأعمال، وأوقف معظم مشاريع الدول والشركات والمستثمرين وعدّل من توقعاتهم.
لا بل أكثر، فقد شهدنا انخفاضاتٍ كبيرة في أسواق المال، وإقفالَ مؤسسات، وفقدانَ ملايين الوظائف، وتراجعاً هائلاً في الإنفاق والإستهلاك تسبّب بانهيار تاريخي في أسعار النفط، حيث شهد العالم وللمرة الأولى في تاريخ الأسواق أسعاراً سلبية لأحد المنتجات، وبالتحديد لنفط خام غرب تكساس، والذي غيّر خلال جلسة تداول الإثنين 20 نيسان (إبريل) قوانين التجارة الطبيعية بعد أن قام الباعة بعرضه مجاناً، بل حتى قاموا بدفع مبالغ وصلت الى حدود ٣٨ دولاراً عن كل برميل للتخلص منه.
كل ذلك ترافق مع تدنٍّ في أسعار الفوائد وتخلّف عن إيفاء القروض والإلتزامات وتراجع التحويلات، ما استدعى لجوء الدول إلى استخدام احتياطاتها على شكل معونات وحزمٍ اقتصادية لإنقاذ المؤسسات الإنتاجية من الإفلاس، ولتفادي خطر العَوز وتبعاته على الأوضاع الإجتماعية.
هذا الواقع المُستجد الذي تركه انتشار الفيروس التاجي عالمياً، يقودنا إلى السؤال ماذا بعد؟
بعيداً من معرفة  قدرة الأفراد والمؤسسات الإنتاجية على الصمود طويلاً في مواجهة تداعيات الحظر والإغلاق، تبدو الحاجة ملحة للنظر إلى ما بعد انتهاء الأزمة والتغيّرات المُرتَقَبة في أساليب العيش والعمل على مختلف الصعد.
فعلى صعيد المُستثمرين ستحمل الفترة المقبلة تحدّيات كبيرة، تبدأ بتحدّي القدرة على معاودة الإنطلاق في ظل تباطؤ الطلب، فضلاً عن الغموض الذي يلف مسار هذه الجائحة وتخوّف الشركات والدول من ضخ استثمارات ضخمة في ظل مستقبل غير واضح، مروراً بتحدّي تغيّر سلوك المُستهلِكين وتوجهّهم أكثر نحو التسوّق الإلكتروني، حيث ستنشط خدمة التوصيل إلى  باب المستهلك، وستتعزز أولوية السلامة الفردية، لا سيما في الفترة التي تلي انتهاء الوباء مباشرة وإلى حين عودة الأمور تدريجاً الى طبيعتها مع زوال الحذر والرهاب من العدوى.
هذا في ما خصّ المؤسسات التجارية والصناعية، لكن الأصعب سيكون من نصيب المؤسسات الخدماتية ومراكز الضيافة والترفيه التي ستُعاني طويلاً قبل استعادة الإكتظاظ الذي كانت تشهده عادة، كالفنادق والمطاعم والمقاهي والمسارح ودور السينما والملاهي الليلية والنوادي الرياضية والألعاب والبطولات العالمية، وباختصار كل أشكال التجمعات وصولاً إلى المُناسبات الإجتماعية.
وعلى صعيد الحكومات فمن المتوقع السماح بعودة الحياة تدريجاً مع بعض التشدّد في انتقال الأفراد بين الدول من دون مُبرّر مُقنع، واستمرار التحوّطات الصحية اللازمة خصوصاً في المطارات والمرافئ ونقاط الحدود البرية، مع تعزيزٍ دائم للقطاع الصحي الإستشفائي.
من جهة أخرى فإن التحدّي الأهم بالنسبة إلى الكثير من الدول، لا سيما تلك التي انتشر فيها الوباء بقوة والتي عانت من نقصٍ في المواد والتجهيزات اللازمة لمواجهة الوباء، هو تحدي التوجه نحو تحقيق الإكتفاء الذاتي وتنويع موارد الدخل القومي المحلي وخلق فرص عمل جديدة، والسعي للحدّ من الإعتماد على عائدات النفط بالنسبة إلى الدول المُنتِجة، وتشجيع الأبحاث الطبية والعلمية، ودعم قطاعات الإنتاج الأساسية من زراعة وصناعة وتكنولوجيا، حيث سيترك الفيروس أثره في القرارات الإقتصادية والحمائية التي تنتهجها معظم الدول، وسيترافق ذلك مع صحوةٍ إجتماعية ورغبة جامحة في العودة لدعم الإنتاج المحلي بدأت تتضح ملامحه من خلال عودة المبادرات الفردية الخاصة لناحية الإهتمام بالممتلكات الزراعية وتربية الحيوانات الأليفة.
اما على صعيد العلاقات الدولية، فإن الصراع الجيوسياسي في العالم سيبقى سمة المرحلة المُقبلة، فالفيروس الخفي الذي عَبَر الحدود من دون جواز سفر، لم ولن ينجح – وللأسف – في إيقاظ الضمير الإنساني، حيال ما جنته الأنانية لدى معظم قيادات العالم، بدل التعاون والجهود المُشتَرَكة والتكاتف في إيجاد الحلول لمشاكل تُهدّد العالم بأسره وليس بلداً بذاته، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مشكلة ثقب الأوزون الذي رأينا كيف أنه حالياً قد التأم بفعل التوقّف شبه الكامل عن الإستخدام المُفرط للوقود الأحفوري، وكأن الدول الكبرى خصوصاً، وبقية دول العالم تُكابر في الإعتراف بالإيجابيات التي حملها الفيروس لنا جميعاً.
بالإضافة إلى الأنانية التي ستبقى سائدة بالوتيرة ذاتها، لن ينجح الفيروس في كسر الحدود السياسية وتخفيف حدة الخلافات على المصالح بين القوى الدولية المُتصارعة، بين أميركا الخائفة على اهتزاز موقعها المُتصَدِّر، وأوروبا المُترَدّدة في أن تصبح قوة، والصين التي أكّدت حضورها، وروسيا التي أظهرت أنه من الخطأ تجاهلها، لن يُغير الوباء هذه الصورة وإن بدت مهتزة، وستبرز بشكل لافت القوى الإقليمية الساعية إلى الإستقلال الإقتصادي والراغبة في تعزيز مناعتها السيادية لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة بعضها يتعلق بالأمن الغذائي والسلامة والبيئة.
سريعاً سينسى العالم “كورونا”، وسينصرف الحكام إلى مصالحهم وصراعاتهم الإقتصادية والسياسية المُعتادة، ولكن من المؤكد أن الإهتمام سينصب مباشرة بعد انتهاء الحظر على اعتماد خطط الإنعاش والتحفيز لاستعادة مسار النمو، ومع الوقت سيتعافى الإقتصاد وستعود دورة الإنتاج الى طبيعتها وربما بشكل أقوى، وستبقى الأسئلة الأهم بعيداً من السياسة والإقتصاد: مِن أين أتى هذا الوباء، وهل كان انتشاره محض مصادفة؟ مَن يحمي الإنسانية من خطر انتشار الأوبئة الفيروسية الناتج عن بعض السلوكيات الغذائية الغريبة؟ مَن يَحميها من خطر التجارب الفيروسية وابتكار الأسلحة الجرثومية التي قد تتسبب بفناء البشر جميعهم؟ ثم من يَضمن عدم تسرّب هذه الفيروسات وانتشارها بشكل أعنف من جديد؟
أسئلة ربما ستبقى بصيغتها الإستفهامية لسنوات إذا لم تُغيّر الدول المُتحَكِّمة بعالمنا من نهجها تفكيراً وسلوكاً حيال هذه المشاكل المُستجِدّة وغيرها من المشاكل الآتية، والتي ربما تكون أيضاً أشد خطراً ووطأة على الإنسانية جمعاء.

سليم مهنا، مصرفي وباحث إقتصادي لبناني.

المصارف اللبنانية وأزمة الدين العام

بقلم سليم مهنّا*


لم يَعُد سراً أن المصارف اللبنانية تُواجه مشكلةً حقيقية في توفير السيولة لعملائها الذين فَقَدوا الكثير من ثقتهم بالقطاع المصرفي اللبناني، وذلك بعد إحجامها عن إجراء التحويلات المالية إلى الخارج، وتوقّفها عن دفع العملات الأجنبية نقداً بعد ردحٍ طويل من الزمن كان فيه الدولار الأميركي مُلازماً للتعاملات النقدية في المصارف إلى جانب الليرة اللبنانية.


كيف ظَهَرت هذه الأزمة المالية ولماذا لم يتمّ تداركها مُسبَقاً؟ هل تعاطت المصارف مع تمويل الدين العام بخفّة ففرّطَت بمصلحة المُودِعين عبر حصر غالبية “استثماراتها” في سندات الدين العام، وتسبّبت بتراكمه إلى درجة التخلّف عن سداد الديون السيادية وتصنيف لبنان للمرة الأولى في تاريخه كبلدٍ شبه مُفلس ومُتخلِّف عن الإيفاء؟


من المعلوم أن المصارف الخاصة في كل أنحاء العالم تعمل برعايةٍ ورقابةٍ من المصارف المركزية، وتتأثر فيها تأثّراً عميقاً وقوياً. وهذا التأثير يزداد قوة في البلدان ذات الإقتصادات الضعيفة حيث تلجأ المصارف الخاصة بشكل دائم إلى المصارف المركزية لحمايتها ومدّها بالسيولة لا سيما خلال الأزمات الأمنية والإقتصادية. وهذا ما كان يحدث تكراراً في لبنان، ما جعل من المصرف المركزي حاجةً وضرورةً لاستمرار المصارف في تقديم خدماتها، ولبقائها في بعض الأحيان.


لقد دأب مصرف لبنان على الطلب من المصارف التجارية شراء سندات الخزينة المحلّية وسندات “اليوروبوندز”، وتشجيعها على ذلك مُقابل فوائد مُغرية، ما حدا بها الى دفع فوائد مُرتفعة أدّت الى جذب ودائع محلية وخارجية ضخمة، حيث بلغ إجمالي ودائع القطاع المصرفي اللبناني مستوىً قياسياً وصل الى ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي.


وفي حين استمرت المصارف على هذا النحو في تمويل الدين العام برغم المخاطر الناجمة عن تركيز التوظيف باتجاه واحد، وفي ظل النزف المُستمر لاحتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية، ومع الإضطرابات الكبيرة في المنطقة وتراجع المؤشرات الإقتصادية، برزت الى الواجهة أزمة سيولة حادّة انعكست على مرونة المصارف وأجبرتها على اتخاذ تدابير صارمة تمثّلت في تقييد السحوبات الداخلية والتحويلات الى الخارج، في سابقة لم تحصل طوال تاريخ القطاع المصرفي الذي طالما تمتّع بسمعة إقليمية وعالمية ممتازة.


أمام الوضع الحالي لا بل المأزق الحالي، تبرز جملة تساؤلات حول ما حدث أبرزها:


–  ماذا كان دور السلطة السياسية ووزارة المال وأجهزة الرقابة تحديداً؟ ولماذا تمّ التعامي عن الواقع المالي للمصرف المركزي والبحث دائماً عن تبريرات لإجراءاته وسياساته النقدية؟


–  لماذا استمرت المصارف الخاصة بتوظيف مُعظم أموال المُودعين في المصرف المركزي، لاسيما في السنوات الأخيرة ما قبل الأزمة، حيث كثر الحديث والتقارير المُقلقة عن حجم الدين العام والإحتمالات المؤكّدة لحصول أزمة مالية خطيرة في ظل استمرار السياسات المالية والاقتصادية الضعيفة والنزف المتواصل في مالية الدولة نتيجة المُناكفات السياسية والهدر والفساد المُستشري؟


–  هل كان ينبغي على المصارف التنبّه مُبكراً جداً لخطورة ما يحدث، والتوقّف فوراً تحت أية ضغوطات أو مُبرّرات عن تمويل النظام السياسي اللبناني من أموال مُودعيها، وعدم تعريضهم لخطر فقدان مُدّخراتهم، وتالياً تعريض المصارف ذاتها لخطر فقدان السيطرة والإفلاس؟


–  لماذا استمر المصرف المركزي بسياسة حماية سعر صرف الليرة واستنزاف الاحتياط من العملات الأجنبية والمُكوَّن أساساً من ودائع المصارف لديه، وهو يعلم يقيناً انه لن يستطيع الإستمرار بهذه الحماية الى أجل طويل بسبب الخلل الخطير في الميزان التجاري والحاجة الدائمة إلى ضخّ كميات كبيرة من العملات الأجنبية غير المتوفرة؟ لماذا لم يقم بالتحرير التدريجي لسعر الصرف بدل المكابرة المُكلفة لحماية العملة الوطنية؟


الإجابة عن الأسئلة السابقة تؤكّد غياب دور السلطات المالية المُناط بها مراجعة السياسات النقدية والمالية ومراقبتها، فضلاً عن تخلّف المصارف عن دورها في تحليل وضعية مصرف لبنان وطلب التوضيحات والضمانات اللازمة منه، وعدم اتخاذها لقرارٍ جريء بالتوقّف عن اقراض الدولة من خلاله، والتزامها عدم تجاوز هذا الدين لحدٍّ مُعيَّن أو نسبة مُعيَّنة من موجوداتها مهما كانت الضغوطات والمُغريات.


تتحمل المصارف مسؤولية عدم إعلان حالة طوارئ مالية للفت الإنتباه إلى خطورة استمرار ما كان يحدث من نزف مُتواصل، كما تتحمّل مسؤولية الإسهام في جذب المزيد من رؤوس الأموال بفوائد مُرتفعة لتوظيفها في سندات الدين العام وتحقيق مكاسب مَهُولة بغض النظر عن المخاطر الحقيقية الواضحة في ما يتعلّق بقدرة مصرف لبنان على إعادة الودائع المُوظّفة لديه عند استحقاق آجالها.


هل فقدت الدولة والمصارف الخاصة السيطرة، وما هي الخطوات الضرورية لوقف التدهور واستعادة الثقة؟ برأينا ورأي الكثير من الخبراء المُتابعين أن الفرصة ما زالت قائمة لمُعالجة الوضع عبر العديد من الإجراءات المالية والإقتصادية، ومنها جدولة الدين العام وإعادة هيكلته، والإستفادة من الموجودات المهمة للدولة وأهمها الذهب والمرافق الحيوية والأصول العقارية، فضلاً عن الفرصة الواعدة باستخراج الغاز والنفط، ولكن الأهم والملح جداً هو وقف التسيّب والهدر والفساد، وترشيد الإنفاق العام، وتفعيل دور القضاء في استعادة الأموال العامة المنهوبة، واستعادة ثقة الناس والجهات الدولية القادرة على مساعدة لبنان لتجاوز الصعوبات والإنطلاق من جديد.

مصرفي وباحث إقتصادي لبناني


نشر في مجلة "أسواق العرب " الصادرة في لندن 

الحكومةُ اللبنانية أمام تحدِّيَين

بقلم سليم مهنّا*


يدور النقاش اليوم في لبنان حول الخطة الإقتصادية التي أقرتها حكومة حسّان دياب أخيراً، والتي يُنظَر إليها كخطة إصلاحية وربما إنقاذية، وفرصة للنهوض من الكبوة المالية والإقتصادية التي تركت آثارها على حياة اللبنانيين، وأوصلتهم إلى ما لا قدرة لهم على تحمّله.

خِططٌ ووعودٌ كثيرة أُقِرَّت لكنها بقيت حبراً على ورق، فلا الإقتصاد انتعش، ولا غلاء المعيشة توقّف، ولا البطالة تقلّصت، والمواطن يغرق يوماً بعد يوم.

من المُهم قبل الحديث عن الخطة أن نُشيرَ إلى أثر السياسات النقدية والمالية والاقتصادية في نجاحها أو فشلها، إذ لا بدّ للسياسات الثلاث ان تتقاطع وتتكامل لتحقيق رؤية اقتصادية شاملة بالتنسيق في ما بينها، من دون الخلط بين كلٍّ منها، فلكل سياسة دورها وأهميتها وأدواتها.


تُعتبَر السّياسة النقديّة إحدى مهام المصرف المركزي الأساسية بحسب قانون النقد والتسليف، ومهامُها توفير السيولة وإدارة العملة والتأثير في سعر صرفها وحمايتها من المُضاربة. بينما تُعنى السّياسة الماليّة بإدارة إيرادات ونفقات الدولة وتأمين ​التوازن بينهما، حيث تقوم وزارة المالية في حالة العجز بإقرار ضرائب ورسومٍ إضافية لسدّ الفجوة أو التوجّه نحو الأسواق للإستدانة عبر سندات الخزينة.

أما السّياسة الإقتصاديّة فهي تُعنى بالتوجّهات الإقتصادية للحكومة ورؤيتها لدور قطاعات الإنتاج الأساسية ومستقبلها، وتحديد إتجاهات الإنفاق الإستثماري وحجمه، وخلق مناخات الإستثمار المناسبة، وتطوير البنى التحتية، ودعم الإنتاج المحلي وتحفيزه، وحماية المُنتجين وتمكينهم في مواجهة المنافسة الأجنبية والسعي إلى فتح الأسواق الخارجية أمامهم، والعمل على الإستفادة القصوى من الموارد البشرية والطبيعية في إطار السعي لإزدهار البلد ونموه ورفاهية أبنائه.

سنواتٌ طويلة من ضعف التنسيق وغياب الرؤية الإقتصادية المُشترَكة وسوء الإدارة أدّت إلى مشاكل مالية كبيرة وانكماشٍ إقتصادي خطير، وانخفاضٍ في قيمة الليرة، وتراجعٍ في حجم السيولة، أوصلت لاحقاً إلى إعلان تخلف لبنان عن سداد ديونه.

لقد تركّز دور المركزي حتى تاريخٍ قريب على تثبيت سعر صرف الليرة عند مستوى أعلى من سعره الحقيقي، من دون مراعاة التكلفة المالية الباهظة لهذا القرار، فضلاً عن انعكاساته الإقتصادية السلبية على قطاعات الإنتاج، فيما جرى التعامل مع القطاع المصرفي على أنه القطاع المُنتج الوحيد، وأن استقطاب الاموال الأجنبيّة ولو بفوائد عالية هو الحلّ الأمثل لتمويل الدورة الإقتصادية والحفاظ على سعر الصرف “الوهمي”.

كذلك أسهَم تثبيت سعر الصرف بزيادة القدرة الشرائية للمُقيمين مما فاقم الخلل في الميزان التجاري وسمح بإغراق الأسواق بالمنتجات الأجنبية وضرب الإنتاج المحلي، وعمل على تعميم ثقافة الإستهلاك والمداخيل الريعية، وزيادة الإتكال على العمالة الوافدة، وتسبّب بتدني أعداد السياح وتراجع السياحة الداخلية، وسمح بارتفاع هائل في أعداد رحلات اللبنانيين لأجل السياحة والإستجمام في الخارج لا سيما إلى تركيا ومصر. كل ذلك أدّى إلى استنزاف إحتياط البنك المركزي من العملات الأجنبية وزيادة محفظة الدين العام من العملة الصعبة.


وبالعودة الى الخطة الإقتصادية المُقترَحة، فقد أشار رئيس الحكومة، الدكتور حسّان دياب، إلى أنها تنطلق من ضرورة البدء فوراً بتنفيذ الإصلاحات، واعتماد الدعم المباشر وغير المباشر للفئات غير المَيسورة وتنفيذ برامج اجتماعية في هذا المجال.

وأضاف: “تهدف الخطة إلى العودة للفائض الأولي في المالية العامة في العام 2024، وهيكلة محفظة الدين السيادي وتقليص نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى ما دون 100%. كما تهدف إلى إعادة هيكلة القطاعين المصرفي والمالي للسماح للإقتصاد بإعادة الإنطلاق وتوفير فرص عمل جيدة ومُستدامة، وإطلاق قطاعات إقتصادية واعدة جداً تتماشى مع قدرات اللبنانيين العالية”.

وأوضح دياب أن الخطة بُنيت على أُسسٍ تسمح للبنان بالحصول على الدعم الدولي المطلوب لجهة إعادة إطلاق العجلة الإقتصادية، وإعادة رسملة المصارف والمؤسسات، وتأمين شبكات الأمان الضرورية والبُنى التحتية. مضيفاً: “في المالية العامة، سوف نقوم بالإصلاحات الأساسية، مثل قطاع الكهرباء ونظام نهاية الخدمة وتعويض الصرف والضرائب العادلة والتصاعدية التي لا تصيب العمل والإنتاج”.

تبدو الخطة واعدة ومدروسة بعناية، وقد أشارت إلى المشاكل الحقيقية وأكّدت أنها في صدد مُعالجتها. ولكن ما هي النقاط التي غابت عنها أو التي تمَّ التلميح إليها من دون تحديد طرائق معالجتها؟


لم تُشر الخطة إلى رغبة الحكومة التحوّل “بقوة” من الإقتصاد الريعي الخدماتي الى الإقتصاد الحقيقي من زراعة وصناعة وتكنولوجيا، وإلى حجم الأموال التي ستُخَصّص لهذه القطاعات من إجمالي نفقات الموازنة، أو إلى طبيعة الإجراءات المساعدة في نهوضها، ما يترك مجالاً للشك حول نيّة الحكومة وتوجّهاتها الإقتصادية المُستقبلية، ونظرتها الى بنية النظام الإنتاجي.


لم تلتزم الخطة بمواعيد دقيقة لتنفيذ النقاط الواردة فيها، والتي يُمكن على ضوئها مُتابعة تقدّم التنفيذ ومُعالجة الثغرات التي ستُواجه المعنيين في أثناء التنفيذ.


تُظهر الخطة رغبة الحكومة بطلب المساعدة المالية و”الدعم الدولي”، فهل يعني ذلك مزيداً من الديون؟ وإذا كان كذلك فما هو تصوّر الحكومة لكيفية دفع هذه الديون الجديدة وما هي تكلفة الحصول عليها؟


لم تُشر الخطة إلى الإجراءات التي ستلجأ اليها الحكومة لتخفيف أعباء العمالة الأجنبية والنزوح والتهريب، وأثر ذلك في استزاف الإحتياط من العملات الأجنبية.


تتحدث الخطة عن تحسين واقع الدولة المالي والإقتصادي من دون أن تذكر المشاريع الإقتصاديّة التي على الدولة القيام بها للنجاح بالهدف المحدّد لها.


لم تتطرّق الخطة إلى السياسات النقدية، ولا إلى الإجراءات التي ستعتمدها لحماية النقد الوطني، وقد تبنّت في المقابل مبدأ تحرير سعر الصرف تدريجاً تماشياً مع سعره في السوق الموازية.


لم تُشر الخطة الى موقفها إزاء قرار وقف التحويلات المصرفية إلى الخارج الذي اتخذته المصارف بالتنسيق مع مصرف لبنان، وإلى برنامجها للتخفيف من وطأة هذا الإجراء والحدّ من تأثيراته السلبية، رغم انتهاكه لمبدأ حرية انتقال الرساميل التي يكفلها الدستور اللبناني.


لم تقترح الخطة تصوراً لكيفية تشجيع المُستثمرين وتسهيل شروط إنشاء الأعمال الجديدة وتقديم التسهيلات والإعفاءات الضريبية لها.


لم تتبنَّ الخطة دعوة الشركات المُتخصصة بمشاريع البنى التحتية للعمل وفق نظام “التحويل والتشغيل والبناء” المعروف بال” BOT” وتسهيل إجراءات دخولها وعملها.


تتضمّن الخطة زيادة في الضرائب والرسوم وتحسين الجباية، وهو ما بات صعباً للغاية بعد تراجع المداخيل بسبب الإنكماش الاقتصادي وتدهور سعر صرف الليرة.


لم تتجه الخطة إلى توحيد صناديق الإستشفاء وحصرها في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، وتوحيد التعرفة كحل لخفض الفاتورة الإستشفائية على الدولة.


لم تتطرق الخطة إلى معالجة آلاف الوظائف الوَهمية وشبه الوَهمية التي استنزفت المالية العامة ولا تزال.


ورغم تلك الثغرات التي ينبغي العودة لدراستها والتوافق على رؤية واضحة بشأنها، فإن وجود الخطة بحدّ ذاته ووجود حكومة واعدة تسعى بجدية إلى تطبيقها، يبعث الأمل في إمكانية إنقاذ الوضع وتفادي الإنزلاق أكثر.

الأسئلة المطروحة اليوم كثيرة أهمها: مَن يتحمّل المسؤولية ويُمكنه فعلاً إيجاد الحلول المُناسِبة؟ وهل الحكومة قادرة على تنفيذ خطتها الإنقاذية وإخراج البلد من أزماته المُستفحلة وما هي العراقيل أمامها؟ يبدو أن الحكومة ستكون أمام تحدِّيَين: تحدّي مواجهة المشاكل المالية والإقتصادية ومحاربة الفقر والفساد وإقناع المانحين بمساعدتها، وتحدٍّ أصعب يتمثّل بمواجهة أولئك الذين تسبّبوا بتلك المشاكل!


إن كل مَن يعتقد ان الحلّ سيأتي باعتماد الأساليب السابقة ذاتها والنظام الإقتصادي الريعي السابق عينه هو واهمٌ بلا شك، وعلى الجميع الإعتراف أن النموذج السياسي والإقتصادي الحالي قد فشل وآن أوان تغييره.


إن مسؤولية احترام القانون وبناء الوطن وحمايته تقع على عاتق جميع الأطراف، وخصوصاً الدولة بمؤسساتها الحكومية المختلفة، والمجتمع المدني، والأفراد الذين بهم يُمكن النهوض وإيجاد الحلول لتطور البلاد وتقدّمها.


سليم مهنا هو مصرفي وباحث إقتصادي لبناني.