مفارقة الالتزام: بين الحرية والهوية
يولد الإنسان حرًا، بلا قيود أو التزامات، يستمتع بطفولة وادعة خالية من الأعباء، لا تثقله قضية، ولا تأسره ولاءات، ولا تستفزه أحداث.
ومع بداية تشكل وعيه وتوسع إدراكه يبدأ بالتخلي عن نعمة اللامبالاة هذه، عبر سلسلة لا تنتهي من الالتزامات العاطفية والمادية والفكرية، ليكتشف لاحقًا أن تلك الالتزامات قد سلبته كثيرًا من حرية العبث والاكتشاف والمغامرة.
يظن الفرد أن كيانه الاجتماعي لا يكتمل بغير تحديد هويته الفردية أو شخصيته الاجتماعية، عبر التزامه بسلسلة من الثوابت والقناعات التي يجد فيها سبيلًا للحياة التي يريدها وللدور الذي يريد أن يخطه لنفسه.
كل موقف يحدد هوية، كل عقيدة ترسم حدودًا، كل منهج يرسم مسارًا، وكل حب يمنح انتماءً لكنه أيضًا يقيد المشاعر ويحد من التفرد. الالتزام، مهما بدا اختيارًا حرًا، يفضي إلى قيد من نوع ما، إذ لا يعود الإنسان بعده كما كان قبله. إنه يعيد تشكيل نفسه في ضوء ما التزم به، متخليًا عن احتمالات كانت ممكنة في فضاء الحرية المفتوحة.
أن تلتزم، يعني أن تتخلى عمّا يمكن أن تكونه. فكل اختيار هو تنازل عن اختيارات أخرى، وكل انحياز هو مفاضلة بين معانٍ قد تتساوى في الجاذبية. وهكذا، تبقى الذات في صيرورة دائمة، تتأرجح بين مطلب التحقق الذي يمنحها المعنى، ومطلب التحرر الذي يهدد حضورها.
كل معتقد يلقي على عاتق معتنقه مسؤولية احترامه والدفاع عنه، وأحيانًا يكون ذلك على حساب حريته في الشك والتساؤل. إن حرية الفكر لا تلتقي بسهولة مع المعتقدات المغلقة مهما حاول معتنقوها التظاهر بغير ذلك.
غالبًا ما تفرض المعتقدات الراسخة نفسها على الفرد في سنوات التكوين، بحيث تنشأ كجزء من البنية النفسية والاجتماعية، لا كموقف حر نابع من تفكير وتقرير عقلاني. هذا الالتزام القسري إلى حد ما، لا يضيق فسحة الحرية فحسب، بل يقيدها بالخوف من العقاب والرفض. حينها، لا يملك المرء الجرأة على التفكير خارج معتقده، فيتحول إلى سجين ضمن أسوار لا يراها، لكنه يستمد طمأنينته منها.
لكن الالتزام ليس سجنًا خالصًا، فهو أيضًا تمرد على عبثية الحياة. إنه يمنحنا القدرة على التأثير والإنجاز، ويحررنا من فوضى الاحتمالات اللانهائية التي قد تشلّ الإرادة. الفنان لا ينتج عملًا عظيمًا إلا بالتزامه بمشروعه، والثائر لا يغير الواقع إلا بالتزامه بقضيته، والمحب لا يعرف عمق المشاعر إلا بالتزامه بمن يحب. الالتزام بهذا المعنى، ليس نقيض الحرية، بل هو شرط تحققها في العالم الواقعي.
إننا نختار التزاماتنا طوعًا، غالبًا دون وعي كامل بما نفقده في المقابل. وبعد فوات الأوان، نكتشف أن ما منحنا إحساسًا بالهوية والمعنى، قد كلّفنا شيئًا من حرية الاكتشاف والمغامرة. لكن ربما تكمن الحكمة في أن نعيش التزاماتنا بوعي تام، مدركين لثمنها، فلا نسقط في وهم الحرية المطلقة التي تفضي إلى العبث، ولا في وهم اليقين النهائي الذي يقتل السؤال. نحن نكتسب هوية محددة على أنقاض حرية لن تعود، لكننا في الوقت نفسه نبني معنى لوجودنا لم يكن ممكنًا في غوغائية اللااتجاه.
سليم مهنا
