2025/11/02

مفارقة الالتزام: بين الحرية والهوية

 

مفارقة الالتزام: بين الحرية والهوية


يولد الإنسان حرًا، بلا قيود أو التزامات، يستمتع بطفولة وادعة خالية من الأعباء، لا تثقله قضية، ولا تأسره ولاءات، ولا تستفزه أحداث.


ومع بداية تشكل وعيه وتوسع إدراكه يبدأ بالتخلي عن نعمة اللامبالاة هذه، عبر سلسلة لا تنتهي من الالتزامات العاطفية والمادية والفكرية، ليكتشف لاحقًا أن تلك الالتزامات قد سلبته كثيرًا من حرية العبث والاكتشاف والمغامرة.


يظن الفرد أن كيانه الاجتماعي لا يكتمل بغير تحديد هويته الفردية أو شخصيته الاجتماعية، عبر التزامه بسلسلة من الثوابت والقناعات التي يجد فيها سبيلًا للحياة التي يريدها وللدور الذي يريد أن يخطه لنفسه.


كل موقف يحدد هوية، كل عقيدة ترسم حدودًا، كل منهج يرسم مسارًا، وكل حب يمنح انتماءً لكنه أيضًا يقيد المشاعر ويحد من التفرد. الالتزام، مهما بدا اختيارًا حرًا، يفضي إلى قيد من نوع ما، إذ لا يعود الإنسان بعده كما كان قبله. إنه يعيد تشكيل نفسه في ضوء ما التزم به، متخليًا عن احتمالات كانت ممكنة في فضاء الحرية المفتوحة.


أن تلتزم، يعني أن تتخلى عمّا يمكن أن تكونه. فكل اختيار هو تنازل عن اختيارات أخرى، وكل انحياز هو مفاضلة بين معانٍ قد تتساوى في الجاذبية. وهكذا، تبقى الذات في صيرورة دائمة، تتأرجح بين مطلب التحقق الذي يمنحها المعنى، ومطلب التحرر الذي يهدد حضورها.


كل معتقد يلقي على عاتق معتنقه مسؤولية احترامه والدفاع عنه، وأحيانًا يكون ذلك على حساب حريته في الشك والتساؤل. إن حرية الفكر لا تلتقي بسهولة مع المعتقدات المغلقة مهما حاول معتنقوها التظاهر بغير ذلك.


غالبًا ما تفرض المعتقدات الراسخة نفسها على الفرد في سنوات التكوين، بحيث تنشأ كجزء من البنية النفسية والاجتماعية، لا كموقف حر نابع من تفكير وتقرير عقلاني. هذا الالتزام القسري إلى حد ما، لا يضيق فسحة الحرية فحسب، بل يقيدها بالخوف من العقاب والرفض. حينها، لا يملك المرء الجرأة على التفكير خارج معتقده، فيتحول إلى سجين ضمن أسوار لا يراها، لكنه يستمد طمأنينته منها.


لكن الالتزام ليس سجنًا خالصًا، فهو أيضًا تمرد على عبثية الحياة. إنه يمنحنا القدرة على التأثير والإنجاز، ويحررنا من فوضى الاحتمالات اللانهائية التي قد تشلّ الإرادة. الفنان لا ينتج عملًا عظيمًا إلا بالتزامه بمشروعه، والثائر لا يغير الواقع إلا بالتزامه بقضيته، والمحب لا يعرف عمق المشاعر إلا بالتزامه بمن يحب. الالتزام بهذا المعنى، ليس نقيض الحرية، بل هو شرط تحققها في العالم الواقعي.


إننا نختار التزاماتنا طوعًا، غالبًا دون وعي كامل بما نفقده في المقابل. وبعد فوات الأوان، نكتشف أن ما منحنا إحساسًا بالهوية والمعنى، قد كلّفنا شيئًا من حرية الاكتشاف والمغامرة. لكن ربما تكمن الحكمة في أن نعيش التزاماتنا بوعي تام، مدركين لثمنها، فلا نسقط في وهم الحرية المطلقة التي تفضي إلى العبث، ولا في وهم اليقين النهائي الذي يقتل السؤال. نحن نكتسب هوية محددة على أنقاض حرية لن تعود، لكننا في الوقت نفسه نبني معنى لوجودنا لم يكن ممكنًا في غوغائية اللااتجاه.



سليم مهنا 




2025/04/08

عصر الظلام

 شهد العالم الغربي في العقود الأخيرة تصدعاً عميقاً في الضوابط الأخلاقية والسلوكية، واستباحةً شاملة لمنظومة القيم الاجتماعية. فبعد أن تاه بعيدًا عن الإيمان بالله وتعاليم الدين وقيمه، خمد صوت الضمير الفردي، وفقد الإنسان الغربي وازعه الذاتي الذي كان يكبح انحرافه عن الفطرة السليمة، ويحد من جموحه نحو الظلم والعنف.


غرق الغرب في فرديته وماديته وانفلاته القيمي، وتجرد من خشية الله، وسقط ضميره سقوطا حرا، وانهارت الرقابة المجتمعية تحت وطأة المصالح المادية وسلطان الإعلام والتضليل، فانحدر بقوة من عالم الأخلاق ومنظومته الإنسانية التي شكلت حضارته عبر قرون، وبات يشكل خطرًا على ذاته، وخطرًا أعظم على العالم بأسره.


هذا الغرب الذي تحتشد فيه زوراً نظريات الحرية والعدالة والتحرر، قد دخل اليوم عصرًا مظلمًا ربما تكون ظلمته أشد قتامة من "عصور الظلام" التي كافح طويلا للخروج منها.


سليم سعيد مهنا

2025/04/01

أسوار الوهم


خلف السياج، يتهجم الكلب بشراسة، موحيًا بقدرته على الفتك بكل من يقترب. لكنه ما إن يفقد حاجزه الآمن ويواجه من كان يهددهم، حتى يهدأ ويتراجع خائفًا، وربما يختبئ.

يتوهم الكلب أن السياج يحميه، فيتبنى سلوكًا عدوانيًا نابعًا من شعوره الزائف بالأمان. والمفارقة أنه كلما زاد شعوره بالحماية، زاد تهجمه، وكأن الحاجز الذي يفصله عن العالم يمنحه جرأة لا يملكها في غيابه.

التجمعات الإنسانية، بكل أشكالها العرقية والإيديولوجية، توفر سياجًا مشابهًا. يستغله بعض المتعصبين والانتهازيين بجرأة زائدة، فيبالغون في استعراض القوة واستخدام العنف أحياناً.

الإنتماء إلى الجماعة يمنح الأفراد شعورا بالعظمة والأمان، بخاصة أولئك الذين يفتقرون إلى المعرفة الكافية والثقة بالنفس. معظمهم يظنون أنهم على حق، أنهم في المكان الصحيح، وبأنهم يمارسون البطولة فداء لجماعتهم بوچه الغرباء والمتربصين. 

الإنتماء مسألة فطرية بديهية تمليها وحدة الحياة في بيئة معينة، لكنه قد يتسم بالحدة والتطرف عندما يتحول إلى ضرورة تفرضها ظروف الحياة، كالدفاع عن حقوق مهددة، أو مواجهة ظلم حقيقي. هذه الدوافع الطبيعية لا تحتاج الى تفسير او تبرير، أما خطورتها فتكمن في إمكانية تحولها إلى أداة للعزلة والإنغلاق، فتترسخ الفكرة القاتلة: "نحن" في مقابل "هم". نحن من دين وهم من دين آخر، لنا أفكارنا ولهم أفكارهم، لنا عاداتنا وتقاليدنا ولهم عاداتهم وتقاليدهم، نحن لا نشبههم وهم لا يشبهوننا. وهكذا، ترتفع جدران العزل، ويستمر الصراع الوجودي بين العقائد والأفكار والأجناس.

يؤدي التمسك بالهوية الجماعية والانغلاق بدافع الأمان وحماية الذات إلى نشوء معضلة الانتماء غير الواعي وما يترتب عليه من عزلة وتباعد. في ظل هذا الواقع، تتفاقم مظاهر التطرف التي قد تنحو نحو العنف، مستندة إلى تأويلات فكرية ودينية متشددة. ويزداد الأمر خطورة عندما تستغل النخب الفكرية والأنظمة السلطوية هذه التوجهات لتعزيز نفوذها، فتقمع أي تفكير خارج إطارها، وتحبط محاولات التحرر من سطوتها.

على الجانب الآخر نرى جيلا جديدا من الشباب المتأثر بشدة بالإعلام المعاصر والثورة الرقمية، فكيف سيكون تأثير التكنولوجيا الرقمية على هذا الجيل، وهل سيعيد تشكيل حياته على إيقاعها؟ إننا على أعتاب لحظة تاريخية فاصلة تتحول السيطرة الفكرية فيها من سيطرة النخب والقادة إلى سيطرة الشركات التي تمتلك البيانات ولديها القدرة على توجيه السلوك البشري عبر الخوارزميات، فهل سنكون أمام إنسان مختلف لا يتأثر بالجماعة التقليدية ولا يخشى هيمنتها عليه؟

تمر البشرية في مرحلة تشكيك عميق بكل المفاهيم التي آمنت بها لقرون خلت، وها نحن اليوم وجها لوجه أمام سيطرة الآلة الرقمية على حياتنا وتوجهاتنا. الإنسان الجديد الخاضع للآلة الرقمية إنسان غير مبال إلى حد ما بالتقاليد والقيم والثورات، يتشكل عقله وفق منهجية مختلفة لا تخشى التغيير او الخوض في المحرمات، فهل هو فعلاً أكثر حرية؟ أم أنه فقط انتقل من قيد إلى قيد آخر؟

هل سيستطيع الإنسان الجديد التخفف من قيود الجماعة؟ هل سيتحرر من تأثير الموروثات التي تشكل وعيه منذ الطفولة؟ أم أنه، مهما ادعى التحرر، سيظل بحاجة إلى سياج ما، وإن كان غير مرئي؟

                                             سليم سعيد مهنا