2009/12/15

الأزمة المالية ودور وكالات التصنيف


سليم سعيد مهنا – باحث مصرفي ومؤلف كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".

مئات بلايين الدولارات ضاعت في حمّى أسوأ أزمة مالية عرفها العالم منذ ثمانية عقود، في وقت يعاني العالم أزمة غذاء وارتفاعا في أسعار المواد الاستهلاكية، وتحذر الأمم المتحدة من تأثيرها السلبي على تمويل برامج مكافحة الفقر. وفيما العالم ينتظر النتائج العملية لخطط الانقاذ المالي حول العالم، أسئلة كثيرة تطرح على المستويات الشعبية فحواها القلق على المصير وهل سيحاسب المسؤولون عن هذا الزلزال المدمر، وكيف بدأت الأزمة ولماذا وكيف انتشرت مثل النار في الهشيم؟
هذه الأزمة التي انفجرت مثل كرة نار في وجه العالم أجمع غير مستثنية أحدا من لهبها، ملتهمة تريليونات الدولارات من ثروات الأفراد والمصارف والحكومات، تعود جذورها في الواقع إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، عندما بدأت المصارف الاميركية تسرف في التسليف لشراء أصول عقارية ومالية وتصدر سندات وتربطها بمشتقات مالية وتعيد التسليف عليها وتبيعها في الاسواق. بكلام مبسط لجأت هذه المصارف في تلك الفترة الى إعطاء قروض ميسرة لبناء المساكن بفوائد لم تتجاوز الواحد في المئة ما أدى الى نمو كبير في حركة عرض المساكن والطلب عليها، والى فورة عقارية شكلت عامل جذب للاستثمار في هذا القطاع.
كل شيء سار طبيعيا حتى بداية الألفين عندما رفع الاحتياطي الفدرالي الأميركي أسعار الفوائد، وتحديدا بين 2001 و2003 إلى ما بين 4 و4.5%، ما حمّل المقترضين أعباء إضافية عجزوا عن الوفاء بها، واضطر الملايين منهم الى التوقف عن الدفع و التخلي عن منازلهم للمصارف المقرضة. ومع ارتفاع الفوائد ارتفعت كلفة شراء البيوت ما احدث حال ركود وتراجع دراماتيكي في الطلب، فتراجعت أسعار المنازل وتراكمت الديون المستحقة للمصارف ما أوقعها في أزمة سيولة. قبل الوصول إلى هذه المرحلة، وفيما كانت موجة الإقراض السكني في أوجها، أصدرت المصارف سندات في مقابل القروض، كون الأخيرة مضمونة بالبيوت، وطرحت السندات للاكتتاب فأقبل عليها المستثمرون على أساس أنها مضمونة بالبيوت. ولما كانت هذه السندات تعطي عائداً مجدياً، توجه المستثمرون إلى صناديق استثمار وباعوها إياها بضمانة البيت أيضاً.
ومع توسع عمليات الإقراض السكني توجهت المصارف إلى شركات التأمين للتأمين على السندات، فقبلت الشركات الطلب كون السندات مضمونة بالبيوت، وهكذا بات البيت يشكل ضمانة لأربع جهات هي المصرف المقرض والمستثمر وصندوق الاستثمار وشركة التأمين. تعتبر عمليات التسنيد عمليات معقدة، ويتداخل في تنفيذها عدة جهات حتى تؤمن انتقالها من المنشئ الأول (المصرف) إلى المستثمر الأخير، ولا يمكن تغليف الديون وإعادة بيعها دون إضافة تحسينات على الأوراق والسندات المالية الناتجة عن عملية التسنيد. ومن هنا يأتي دور وكالات التقييم الخارجي لمخاطر الائتمان، أو ما بات يعرف في العالم بوكالات التصنيف (Rating Agencies). وكان لهذه الوكالات الدور الأهم في نشوء وتطور عمليات التسنيد وإعادة التسنيد، حيث تكاد لا تكتمل أي عملية تسنيد مهما كانت مبسّطة من دون إعطاء تصنيفات محددة لكل شريحة من شرائح السندات الناتجة عن هذه العملية والتي تختلف بطبيعة الحال عن غيرها من خلال نوعية الأصول المنشأة عليها هذه السندات ومستوى التحسينات الطارئة عليها، وكذلك الدرجة الائتمانية للمصدر ذاته.

لقد لعبت هذه الوكالات الدور الأخطر في الأزمة الائتمانية بإجماع كل المراقبين المصرفيين والماليين وحتى الاقتصاديين، فعدم القدرة أو التقصير الفاضح أو حتى التواطؤ في عمل هذه الوكالات، وخصوصاً في تحديد درجة الملاءة الائتمانية للسندات والأدوات المالية المركبة والمعقدة كان السبب الأبرز في تضليل آلاف المستثمرين من مصارف ومؤسسات مالية. فقد أعطت وكالات التصنيف أفضل وأقوى درجات التصنيف الائتماني لشرائح معينة من السندات الناتجة عن استعمال عمليات إعادة التسنيد، أي لتلك الأدوات المالية المركبة والمعقدة المنشأة على أصول ائتمانية مسمومة هي القروض السكنية العقارية لذوي الملاءة الائتمانية السيئة. وتعتبر ثلاث وكالات عالمية للتصنيف المحتكر الوحيد لهذه الصناعة المرتبطة عضوياً كما ذكرنا في أساس نشوء ونمو الأسواق المالية في العالم وهي شركة موديز (Moody’s) وشركة ستاندر أند بورز (Standard & Poor’s) وشركة فيتش (Fitch).
وقد طرحت أسئلة كثيرة تدور جميعها حول مصداقية عمل هذه الوكالات، منها:
- كيف يمكن لهذه الشركات تقديم حكم مهني موضوعي مستقل وموثوق في درجة المخاطر الائتمانية لأي أداة وهي تتقاضى بدلات أتعابها من مصدري هذه الأدوات؟
- كيف يمكن الركون إلى هذه التصنيفات واعتمادها مرجعاً عالمياً وحيداً في تقدير المخاطر وهي تعمل دون رقابة من أي سلطة أو هيئة حكومية؟
- كيف تخلت المؤسسات المالية العالمية ومنها المصارف على وجه الخصوص، عن مهمة تقييم المخاطر الائتمانية للأصول والأدوات المالية التي تقوم بالاستثمار فيها؟
- كيف شجعت السلطات الرقابية الاعتماد المفرط على التصنيفات التي تعطيها هذه الوكالات؟

لم تكن أزمة الرهن العقاري السبب الوحيد أو الرئيس لانهيار الأسواق المالية الأميركية وذوبان المدخرات والثروات في أتون المضاربات، بل كانت الشرارة التي أشعلت حرائق الأسواق حول العالم، حيث أفرطت المصارف الأميركية والأوروبية في إعطاء قروض لا تتمتع بضمانات كافية، في سوق العقارات وفي غيرها من الأسواق إما عن مخاطرة غير محسوبة أو عن سوء تقدير. وعملت هذه المصارف بمنأى عن أي ضوابط ومنفلتة من أي رقابة. إلا أن أجهزة الرقابة الأميركية كانت تعرف بهذه الممارسات، ومع ذلك غضت النظر عنها انطلاقا من مبدأ حرية السوق ومن فلسفة ان قانون السوق والياتها كفيلة بتنظيم عملها، وربما أيضا عن سوء تقدير لقدرة السوق على الصمود. ولم يقتصر هذا السلوك الجامح على المصارف التقليدية بل تعداه إلى مصارف الاستثمار الكبرى في العالم التي استسهلت الاستثمار في أدوات مركبة، احتمالات الربح والخسارة فيها مرتفعة جدا، كما أن النتائج الايجابية لتي حققتها البورصات في فترة الازدهار شجعت الناس العاديين على الدخول في هذه المغامرة من غير دراية بأصولها ومخاطرها فبات العمل يشبه المقامرة إلى درجة الرهان بكل شيء. لقد شهد العالم أزمات مالية متكررة منذ عام 1987 إلا أنها لم تكن بهذه الحدة، وهي لم تكن لتتكرر لو اتخذت في حينه إجراءات صارمة لردع المتلاعبين بالأسواق، والأخطر من ذلك هو في حتمية اشتعال أزمات مماثلة في المستقبل ما لم توضع ضوابط تنظيمية ومعايير صارمة لعمل الأسواق ومعاقبة أي مخل بها.
أما الدروس او العبر التي يؤمل أن يكون استخلصها كل من المسؤولين والأسواق، فهي ضرورة تحويل جزء كبير من التمويل إلى القطاعات الاقتصادية المنتجة لا سيما في الصناعة والزراعة بدلا من تمويل الاقتصاد الريعي الذي بينت الأزمة انه اقتصاد الفقاعات المبني على الرغبة في الربح السريع وغير القادر على الصمود أمام أي تبدل في معطيات السوق. هل آن لكابوس الأزمة المالية الذي خيم على العالم ان ينتهي؟ وهل يكون العالم ، قادة ومسؤولين، اتعظ من تداعياتها لتفادي خطر الوصول الى الانهيار المالي شبه التام، وتراجعَ خطوة حقيقية إلى الوراء في دعم ممارسة سوقية خارج الأصول والأنظمة؟