سليم سعيد مهنا.
باحث مصرفي ومؤلف كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق".
بعد مرور فترة على بدء الأزمة المالية العالمية، أصبح من الواقعي القول أن تداعياتها السلبية على لبنان كانت طفيفة، لا بل كان لها بعض الإيجابيات لا سيما على مستوى الثقة العالمية بالأداء المصرفي، هذه الثقة التي حمت لبنان في أحلك الظروف وأعادته الى الانتعاش سريعاً، بدءاً من احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية واحتياطي الذهب، مرورا بالودائع المصرفية التي بلغت مستويات قياسية جديدة.
ترافق ذلك مع نمو ملحوظ في الحركة السياحية وتزايد الثقة بالليرة اللبنانية كعملة إيداع واستمرار العمل ببعض المشاريع السياحية الطموحة من فنادق وغيرها، وتدفق الرساميل وفورة السوق العقارية وارتفاع مؤشرات النمو وعدم انخفاض قيمة تحويلات المغتربين، مما ساعد في تعزيز دعائم الاستقرار الاقتصادي والنقدي، هذا فضلاً عن قيام حكومة وحدة وطنية وخروج البلاد من نفق الانقسامات الحادة، واستتباب الوضع السياسي والأمني سواء في الداخل أو على الحدود الجنوبية.
هذه الأجواء الإيجابية تسهل بلا شك اندفاع الحكومة في تنفيذ برنامجها التنموي، انطلاقاً من دورها الأساسي في دفع جهود التنمية في المجالات كافة، إذ لا يمكن أن يوجد اقتصاد جيد من دون ادارة حكومية جيدة تعمل على تعزيز مناخ الاستثمار وتطلق حيوية العمل والانتاج وتسهم في خلق فرص العمل ومواجهة الفقر.
إن تجارب عديدة ومنها تجربة دبي تؤكد بما لا يقبل الشك أن الاستثمار الحقيقي لإحداث التنمية هو بالإنسان نفسه، حيث تمثلت نقاط ضعف هذه التجربة أنها بقيت غير محمولة من قبل الناس المعنيين بها أي مواطني دبي، كما أنها دفعت ثمن الاعتماد شبه الكلي على نمو القطاع العقاري وقطاع الخدمات وأبرزه السياحة.
وعلى هذا الأساس فإن الدولة مطالبة القيام بخطوات اصلاحية ملموسة والقيام بخطوات اقتصادية تحفيزية من خلال سلطاتها وأجهزتها المتعددة لدعم النشاط الاقتصادي الحقيقي خصوصا في ميادين الزراعة والصناعة، للحد من ظاهرة النزوح من الأرياف، والهجرة بطبيعة الحال، فالزراعة تعني زرع الناس في أرضهم، وهي مع الصناعة ضرورية لتثبيت سيادة الدولة واستقلاليتها من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي والتقليل من الحاجة الدائمة للاستيراد ومساوئه.
كما أن عملية التنمية الاقتصادية بحاجة إضافة إلى الاصلاح والأمن والاستقرار السياسي، إلى ثقافة تربوية اجتماعية واقتصادية وبيئية تؤمن بضرورة التطور، أي الى ثقافة التنمية. وتعني الحاجة إلى خلق مناخ استثماري متكامل يؤمن سهولة إنشاء الأعمال وتطويرها، والحاجة الى قوانين حديثة ترعى مصالح المستثمرين، وإلى قضاء نزيه يبت بنزاعاتهم. هذا المناخ يبدأ من مكتب الهجرة والجمارك والأمن العام والموانئ والمطارات، وصولا الى الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ووسائل نقل واتصال وانترنت، الى المطعم والفندق وسائق التاكسي وحتى الى العتال الذي يحمل الأمتعة.
لذا على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها وأن تختار الأسلوب الصحيح لتتعاطى به مع الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، والحد من التدخلات السلبية التي ارتدت بالضرر على كثير من القطاعات الانتاجية، وصلت في بعض القطاعات إلى درجة لا يتطلع فيها المواطن الى دعم الدولة بقدر ما يرجو منها رفع الضرر الناتج عن قراراتها الارتجالية والمغلوطة.
في قيادة عملية التنمية لا يوجد شيء اسمه الحظ، بل هناك التخطيط والدراسات والافادة من التجارب، فالحظ ليس شيئاً مجرداً يولد من رحم الصدفة، إنه نقطة الالتقاء بين التحضير الجيد والفرصة.
