مقتطف من كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق" للباحث سليم مهنا
| سليم مهنا خلال القاء كلمته في حفل توقيع كتابه "العمل المصرفي" في بارك أوتيل شتورا 2009 |
لطالما
اصطدم تسويق الخدمات المصرفية بجدار من المعتقدات الاجتماعية والدينية التي منعت
ولا تزال فئة كبيرة من المواطنين من التعامل مع المصارف، من زاوية نظرتهم لعدم شرعية
هذا التعامل وتعارضه مع معتقداتهم ومفاهيمهم الدينية، التي تعتبر أن الفوائد
المصرفية هي شكل من أشكال الرِبا.
أمام
هذا الواقع، وانطلاقاً من وجهة نظر تعتبر أن التعامل مع المصارف بأي شكل من
الأشكال، يعتبر إسهاماً مباشراً في مساندة هذه المؤسسات وتشجيعها، وقبولاً بطريقة
أو بأخرى بطبيعة عملها ومفاهيمها، حُرمت هذه الفئة من الناس، وهي ليست بأقلية، من الاستفادة
من الخدمات المصرفية بعامة، وليس فقط من الخدمات التي تدخل الفائدة في أساسها
كالودائع والقروض.
فالمشكلة
لم تقتصر على مقاطعة المنتجات المكوِّنة للفوائد، بل تعدتها إلى الامتناع الكامل
عن التعامل مع المصارف التقليدية بكل منتجاتها وخدماتها، ما أبعد شريحة كبرى من
هؤلاء الملتزمين بالتشريع الديني عن أعمال المصارف، وحرمهم تالياً من الاستفادة من
أنواع كثيرة من المنتجات التي وجدت أصلاً وتطورت لتسهيل أمور الناس، حتى منها تلك
التي لا تدخل الفوائد في تكوينها ولا يتولد عنها الاتجار بالفوائد وقبضها أو
دفعها. ولم يقف الأمر عند حد تحريم التعامل بالفوائد فقط، فقد بلغت المغالاة لدى البعض
حد تحريم الدخول إلى المصارف لأي سبب من الأسباب، وتحريم التعامل بالأموال التي
تمر عبرها بأنواعها وأشكالها كافة، واعتبارها "أموالاً ملوثة".
لقد
أدى هذا الوضع إلى التطلع نحو استنباط حلول دائمة تتيح لهؤلاء الناس أن يتعاملوا بالخدمات
المصرفية ويستفيدوا منها، وفقاً لمفاهيم وإيمانهم وبما لا يصطدم أو يتعارض مع
معتقداتهم الدينية. فكان الحل باللجوء إلى فكرة إنشاء مصارف لا ربوية تتوافق في
عملها مع مفاهيم الدين الإسلامي، كونها تقوم على نبذ الرِبا بأشكاله كافة، وتحقيق
العدالة في المجتمع بالاستثمار وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها، التي
تتميز بأخلاقياتها في بناء المجتمع وتقويته، ونظرتها إلى المال على أساس أنه خادم
للإنسان وللقيم الإنسانية، وليس هدفاً بحد ذاته، وله وظيفة اجتماعية لمصلحة
المسلمين عامة في إطار توازن دقيق بين حفظ الملكية الفردية وحق التصرف، وبين حقوق
الجماعة المسلمة.
فلا يمكن للمصرف أن يقدم خدماته إلى أنشطة
تدخل في دائرة التحريم لما فيها من أضرار خطيرة تلحق بالمجتمع، مثل صناعة الخمور،
وموائد القمار، والمخدرات، والبغاء والأنشطة التي تقوم على تربية الخنازير وذبحها
وبيع لحومها أو الميتة أو الدم، وعليه الابتعاد عن أي نشاط ينطوي التعامل فيه على
رِبا أو غش أو تدليس أو احتكار أو تزوير أو استغلال حاجات الناس أو تغرير أو ميسر
أو رشوة أو إفساد للذمم وتخريب للنفوس، أو أي نشاط تشوبه حرمة، ومن ثم تكون جميع
معاملات المصرف داخلة في دائرة الحلال، تراعي بشدة مبادئ الدين الإسلامي، فلا غبن
في الأجور، ولا ظلم للعاملين، ولا مصادرة أرزاقهم أو تسخيرهم عبيداً مقابل إطعامهم
وكسوتهم.
بناء لهذه الرؤية نشأت المصارف الإسلامية ونمت بسرعة
قياسية محققة قفزات نوعية في تطور خدماتها ومواكبتها للحداثة، مستفيدة من الالتفاف
والاحتضان الشعبي لمفاهيم عملها ووسائلها وأساليبها، كما زادت أهمية المصارف الإسلامية
بدرجة كبيرة، حيث بدأ عدد من المصارف الكبيرة بإدخال قسم الخدمات المصرفية الإسلامية
إلى خدماته، في حين تحولت بعض المصارف كلياً إلى مصارف إسلامية. كما لقيت تجربة
المصارف الإسلامية اهتماماً كبيراً من المصارف والسلطات الأجنبية، لناحية دراسة طريقة
عملها ونظرتها للمنتجات والأعمال المصرفية، والطرائق التي تعتمدها لتوظيف الأموال
المودعة لديها، خصوصاً من خلال مراقبة أدائها وتمكّنها من الصمود ومواجهة نتائج
الأزمة المالية الدولية.
ورغم المنافسة الحادة التي واجهها من المصارف التقليدية،
فقد شهد قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية، على حداثة نشأته، نمواً سنوياً
متسارعاً، حيث من المتوقع أن يصل إلى تريليون دولار أميركي حجم أصول المصارف الإسلامية
وودائعها عام 2012. وتجدر الإشارة إلى أنه رغم أن تسمية المصرف الإسلامي تعني نظرياً أن
زبائنه هم المسلمون، إلا أن عمل هذه المصارف لم يقتصر على الزبائن المسلمين فقط،
بل أنها تقوم باستقطاب وخدمة مختلف الزبائن دون حصر او تمييز.
مرة أخرى نجح التسويق في إيجاد الحلول التي تخدم العمل
المصرفي بكل تشعباته، وأسهم في إتاحة الفرصة أمام المتعاملين ومساعدتهم في أعمالهم
واستثمار أموالهم وتمويل مشاريعهم، وتقديم شتى أنواع الخدمات المصرفية بكفاءة
عالية، بناء لمفاهيم موضوعية انطلقت من قراءة واقعية وملموسة وتحسس لمشاكل المجتمع
وحاجاته وقيمه واعتباراته الخاصة.
وفي كل الأحوال، إن العمل التسويقي لا يتم بمعزل عمّا يحيط به، بل هو محكوم
لدرجة عالية بما يجري في محيطه، ومرتبط تماماً بما يدور حوله من أحداث وأفعال، ولا
بد لبناء استراتيجية تسويقية فعّالة وناجحة، من التعامل مع المعطيات المحيطة ببيئة
المصرف الداخلية والخارجية بكثير من الجدية والواقعية، وتفهمها بعمق وتجرد،
ومراقبة تجاوب المحيط وتفاعله مع الأحداث والمستجدات التي تجري محلياً وخارجياً،
واستنباط أفضل الوسائل والطرائق التي تؤدي إلى إثارة اهتمامه، انطلاقاً من معرفة
وفهم الخصائص النفسية ونمط العادات والتقاليد السائدة ضمنه.