بقلم الباحث الأستاذ منير مهنا
يبدو المجتمع اللبناني غارقاً في طوفان من
المشكلات والقضايا المجتمعية ،إلى درجة يصعب معها القول أن حقلاً من حقول الاجتماع
اللبناني، لا تطاله أزمة ما، وفي العمق . وإذا كان جائزاً في سيرورة الواقع
الاجتماعي المتغير أن تكون المشكلات ظاهرة وحاضرة ، كتعبير عن ديناميات التحول
الاجتماعي من واقع له شروطه الخاصة إلى واقع آخر ، فان ما ليس طبيعياً في واقع
مشكلاتنا وقضايانا الراهنة ، أنها ذات بنية مستمرة منذ عقود من الزمن ، وقد تحولت
مع الوقت إلى ظواهر تحمل طابع " القضايا ـ الأزمات " ، وان ما يؤبّد
وجودها واستمرارها يقع خارج منطق المعالجات التي تصدى لها الخطاب السياسي أو
الاجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي من طروحات وحلول مقترحة ، والأمثلة على نوعية
وطبيعة مشكلاتنا اكثر من أن تعد او تحصى، بدءاً من قضايا ومشكلات الواقع الاقتصادي
بكافة جوانبه ، مروراً بالقضايا والمشكلات السياسية وما يتفرع عنها من أمور الدولة
وأدارتها، وصولاً إلى قضايا ومشكلات الانتماء والهوية "للجماعات ـ الطوائف"
كمنطلق مؤسس لعلاقة الفرد، مع الجماعة ومع
الذات، في مواجهة الأخر.
قد يبّرر البعض من أهل الثقافة أو السياسة وجود
هذا الكّم من المشكلات في مجتمعنا بالعودة إلى بنية النظام الطائفي في لبنان وعجزه
عن إدارة حياة وشؤون اللبنانيين منذ أن كان الانتظام العام خاضعاً لعلاقات
الجماعات الطائفية فيما بينها ، وفي هذا السياق يبدو التحليل منطقياً إلى حّد ما،
فالمشكلات عندما تُحال مرجعيتها المصدرية إلى أفق مقدس تصبح ذات طبيعة مغايرة
للمنطق العقلاني في معالجة الأمور ، وتكتسب أبعاداً غير منظورة في منطق الخطاب
الذي يتصدى لمعالجتها ، ويصبح " الخفي " من امر مشكلاتنا اكثر أهمية من " المعلن " عنه ، لا بل اكثر توجهياً
للخطاب نفسه من حيث مضمونه التعبيري عن نوايا واهداف كامنة وذات منحى نفسي، غير
متوازن ،ودائم القلق والخوف من الحاضر والمستقبل.
إن وضوح الرؤية شرط لازم لتأسيس قاعدة اليقين،
فإذا التبست الرؤية في النظر إلى الوقائع والمعطيات فان من البداهة أن تأتي
النتائج منحرفة عن مسارها اليقيني ، خارجةً
عن مألوف المنطق والقياس وبعيدة عن ما ينتجه العقل من تعليلات واحكام . والحقيقة
التي نرتجي ظهورها وإعلانها في رؤية الحلول لمشكلاتنا وقضايانا تتحول أمام انحراف
قياسنا المنطقي عن جادة اليقين والوضوح ، إلى مجرد أوهام نعجز عن الإمساك بها أو
البناء عليها، وبالتالي تفقد مشكلاتنا كمّاً ونوعاً اية معايير أو ضوابط عقلانية
وتتحول من مسارها المعقول لتدخل في فضاء عبثي من الحوار والجدل السفسطائي حول جنس
الملائكة وما يأكلون ويشربون !!
أن الخاصية الملازمة لمشكلاتنا في لبنان أنها
دائما بلا معايير أو ضوابط ، تنشاء من مشاع الكتلة العمياء للسلطة في علاقتها مع
المجتمع ، فلا هي محصورة بزمن تبداء منه ،أو وقت تنتهي عنده . عمياء التوجه
والتوسع والانتشار ، وهي بلا سقف تقف دونه أو مرجعية تحتكم إليها في مسارها والمآل
، وفاعل الأزمة موسوم بقدرة التخفّي خلف دوائر المقدس الديني أو العصمة عن الخطاء
السياسي أو المحظور من التداول ، ودائماً هي اقّل من مشكلات اكبر، بانتظار أن تصبح
هي أمّ المشكلات ، فالنار حين تندلع شرارتها الأولى يمكن السيطرة عليها ، ولكنها
مع الإغفال تصبح جهنم ، ولو سألنا : من المسؤول ؟ ... لكان الجواب ضمير غائب من
شاهد زور.
ومن نافل القول أننا نعيش في واقع يهيء لأيّ
مشكلة قدرة التحول إلى أزمة . كيف لا ، وأزماتنا مشاع مملوك لكل تفسير ذرائعي يأخذ
الحجة من سكون الغفلة ليواجه بها حركة الحياة ، ويريد لروح وجودنا أن تبقى في
خلاصها مرهونة لخطاب مزين بشتى أنواع الطلاسم والتعاويذ . كيف لا، وأزماتنا تتناسل
تحت جنح الظلام خشية أن ينكشف سحر الساحر أمام جمهور المشاهدين فيخرجون عن طاعة
الوهم إلى يقظة العقل.
إن
استمرارنا اصبح اليوم على المحّك سلطةً ومجتمعاً ، والسيل قد بلغ الزبى ، والأزمات
تحيق بنا من كل حدب وصوب ، وما زلنا نصّر على استخدام منطق النعامة وإخفاء الرأس
في الرمل خوفاً من مواجهة حقيقة عدم قدرتنا على الاستمرار وفقاً لمناظير الرؤية
الزائفة لواقعنا المأزوم ،بتخلفه عن معايير العقل وضوابط العقلانية، وعن أن
الفينيق الذي نرتجي قيامته في وطننا يحتاج إلى معجزة لن تُحدثها الأكاذيب وتزييف
الحقائق.
أن ما نحتاجه لقيامة وطننا هو القراءة في كتاب
انسانه قراءة صادقة، تعلي من شأنه الإنساني انتماءاً ومصالح، والقراءة في صيرورة
تاريخنا كله لنكتشف ما لنا من مآثر وما علينا من واجبات ، متخلين عن قراءة واقعنا وفقاً لأبجدية الخوف من التغيير
ومن المضي نحو المستقبل، فالواقع إنما تصنعه كلماتنا قبل أفعالنا ويحدده خطابنا
تشكيلاً وتفصيلاً ، لما نريده أن يكون، فيكون.
أن بعض حقيقة الأزمة فينا ، إنها أزمة خطاب
مخادع لم يعد مجدياً تكرار أبجديته الملعونة ، فلا سامعه يؤمن بما يسمع ولا قائله
يكفّ عن ترداده الكاذب لما يقول . ونحن شعب يشهد على قدرة القول الحق أن يدفع
الناس إلى ممارسة البطولة والفداء دفاعا عن الأرض والكرامة وحباً للحياة.
لبنان اليوم ، يحتاج إلى لغة جديدة معيارها
العقل، ومنطقها الصدق والوضوح والمباشرة ،وغايتها مصلحة هذا الوطن عينه، باعتبار
مصلحة الجماعة الإنسانية الواحدة فيه فوق
كل مصلحة فردية ـ أنانية أو طائفية ـ إقطاعية ، أو مالية ـ اقتصادية لشريحة من
الناس على حساب كل الناس ، أو لمنطقة تستأثر بالخير العام لذاتها دون غيرها من
المناطق . واكثر ما يحتاجه لبنان أن يشهر الناس في وجوه المخادعين سيوف الصدق
واخلاق الأيمان فلا يعامل الكافر والسارق معاملة المخلص والصادق ، وان يتشدد عزم
العازمين على خوض معركة خلاص لبنان من جور لغة النفاق وأهله .... فهل آن أوان
العبور نحو لبنان الجديد ، أم أن لغة الانتظار ما زالت تستوقف فعلنا .. والى متى ؟..... أسئلة
تلّح علينا الإجابة عنها وقد أجلّناها منذ زمن مديد.
راشيا 8/8 /2011 منير سعيد مهنا