تعاظم دور المصارف فغدت جزءاً أساسياً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لا بل صارت جزءاً لا يمكن فصله عن الحياة اليومية للناس، وعاملاً مهماً في تحقيق طموحاتهم في مختلف ميادين الأعمال، ومؤثراً فعلياً في حركتهم ومشاريعهم، وتطلعاتهم المستقبلية حتى في أمورهم الخاصة.
إن الخدمات المصرفية تعمل على تفعيل أداء النظام الاقتصادي وتسهيل عمليات التبادل الاقتصادي بين المجتمعات وتنمية التجارة المحلية والدولية. كما أنها ومن خلال توفير التمويل الاستثماري، تؤمن الدعم للأفراد والمؤسسات، مما يحرك عجلة الانتاج، ويسهم في تخفيف الفقر وخفض البطالة وتنشيط الاقتصاد المحلي، فهي تقوم بتجميع الودائع ثم إعادة توجيهها بما يخدم الاقتصاديات المحلية، كما أن لها دوراً استشارياً فيما يخص التنمية المحلية من حيث خلق فرص استثمارية جديدة وتقديم الخبرات والاستشارات، وهذا الدور مرشح للازدياد مع اتساع آفاق التطور والازدهار، فكلما اتسعت حدود التنمية كلما زادت الحاجة إلى جهاز مصرفي متطور، وهذا يعني وجود ترابط بين الجهاز المصرفي وعملية التنمية ذاتها.
تعد إشكالية خلق فرص العمل بأبعادها كافة من أهم دعائم التنمية المحلية، وتعتبر تحد يستوجب تحقيقه في سياق أية عملية تنموية عن طريق الاستثمار المنتج، لا سيما في قطاعات الانتاج الحقيقي من زراعة وصناعة. وهنا تبرز أهمية التمويل بما يؤمن احتياجات التنمية المحلية، وتمويل الحاجات الاستثمارية المتوسطة والطويلة الأجل للقطاعات الاقتصادية المختلفة، أكثر من التمويل الجاري لرأس المال.
لقد أسهمت المصارف في خدمة الاقتصاد المحلي من خلال خدماتها الشاملة والمتنوعة، وكان للقروض التي تم تمويلها بكفالة شركة كفالات أثراً طيباً في تنمية القطاعات الانتاجية التي شملت قطاعات عدة، من تربية المواشي وتربية الدواجن والنحل، الى تمويل الصناعات الصغيرة كصناعة المفروشات والأخشاب والمدافئ، وتصنيع وتعليب المنتوجات الزراعية، وصناعة التقنيات الكهربائية والالكترونية، الى المساهمة في انشاء المرافق السياحية وأهمها الفنتدق والمطاعم والباتيسريات.
ومع ذلك ظلت عملية النهوض التنموي قاصرة ومتأخرة إلى حد بعيد، لأسباب عدة أبرزها تخلف البنى الاقتصادية والانمائية التحتية التي يفترض توفرها للمباشرة بعملية النهوض، حيث أن توفر هذه الأرضية البنيوية وتوفر الأجواء الاقتصادية والبيئة المهيئَة القابلة للتطور، كل ذلك يسهم في دفع وتعظيم الدور الذي يمكن أن تقوم به المصارف في تمويل الاستثمارات المحلية وإيجاد مزيد من فرص العمل.
هذا الأمر يتطلب قيام الدولة بدورها ومسؤولياتها، سواء من حيث توفير البنى التحتية الحديثة والمتطورة، أو من حيث التنظيم القانوني والتشريعي والسياسات الاقتصادية والجمركية والضرائبية المناسبة التي تحمي قطاعات الانتاج وتنهض بها وتؤهلها لمواجهة المنافسة الشرسة الآتية من الخارج، حيث لا تكافؤ بين ما هو متوفر لتلك القطاعات الانتاجية في بيئتها ودولها من احتضان ودعم ومؤازرة، وبين ما هو متاح للقطاعات الإنتاجية المحلية من بيئة هي في أفضل الحالات ضعيفة ومتخلفة.
وفي هذا الإطار ينبغي العمل على تفعيل قدرات المجتمع وتوجيه امكاناته وطاقاته ودمجها في عملية التنمية، ما يتطلب القيام بالخطوات الآتية:
- تقوية القدرات والإمكانيات البشرية ودعمها وتطوير مهاراتها من حيث التميز والإبداع والاستمرارية.
- تعزيز الوعي الوطني لأهمية تشجيع الانتاج المحلي.
- تمكين المرأة وتحفيزها وتشجيعهاعلى العمل والاستثمار في المجالات التي لها الكفاءة فيها.
- تشجيع مراكز الدراسات وتفعيل دورها في تقويم احتياجات المجتمع، والقيام بدراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع الجديدة على أسس علمية بعيدة عن الارتجال والتقليد، بحيث تستطيع توجيه الاهتمام إلى المشاريع الضرورية وفقا للمعلومات والبيانات الإحصائية العلمية.
- الاستفادة من الموارد البشرية والطبيعية المتاحة.
- زيادة تمويل الاستثمار في المشاريع التي تعمل على تسويق المنتجات المحلية.
إن تطوير البيئة الاقتصادية الحاضنة للاستثمارات هو مطلب للمصارف التجارية كما هو مطلب لباقي قطاعات الأعمال والانتاج، حيث لا قدرة للمصارف على تطوير ذاتها او الاسهام في تطوير محيطها من دون ذلك الدور الاساسي للدولة بأجهزتها كافة. فتوفير التمويل الذي تتولاه المصارف لا يعد وحده كافياً لتشجيع المستثمرين على الاقتراض بغرض الاستثمار في المشاريع المنتجة، ما لم يتوفر المناخ والبيئة المناسبة والاستقرار السياسي والأمني والتشريعي والقضائي، بما يكفل الاطمئنان للمستقبل وضمان عدم التعرض للخسائر.
سليم مهنا
مركز الدراسات الاستشارية
