مقتطف من "كتاب العمل المصرفي واستراتيجية التسويق" للكاتب سليم مهنا.
هل أنت راض عن عملك؟ إذا كان جوابك لا، فما الأشياء التي تجعلك سعيداً في عملك؟
إن اختيار الموظفين وتدريبهم يعتبر من أساس مهام الإدارة الحديثة، فليس كل شخص مؤهلاً ليكون موظفاً جيداً رغم ما قد يكون لديه من كفاءة علمية، فالمهم هو اختيار الأشخاص الذين يمتلكون أيضاً الرغبة بالعمل، والذين يتمتعون بمواقف إيجابية ونظرة ملائمة لطبيعة عملهم والجهد المطلوب منهم للمساعدة في تحقيق الأهداف.
التدريب ضروري للمؤسسات أكثر مما هو ضروري للأفراد. عندما نستثمر في الموارد البشرية فإننا نحاول تغيير سلوك، وعند تغيير سلوك الأفراد تتغير شخصية المنظمة وثقافتها وسلوكها التنظيمي.
يحتاج "التنقيب" عن الزبائن إلى موظف يحمل نظرة إيجابية واستعداداً دائماً للتطور، لذا يتعين عدم السماح بوجود موظفين لا يمتلكون مثل هذه النظرة، فالشيء الوحيد الأسوأ من السماح لموظف غير منتج بتحطيم محاولاتنا للحصول على رضى الزبائن أو على زبائن جدد، هو أن ندفع له أجره لعمل ذلك.
لقد أدى الاهتمام بالموارد البشرية إلى تخصيص نفقات إضافية لتدريب الموظفين وتأهيلهم، يقيناً بأن هذه الموارد أضحت من العناصر الرئيسية لتحسين العمل وزيادة إنتاجية العاملين، بشكل يتلاءم مع تغير بنية الوظائف وضرورة مواكبة التقدم التكنولوجي والمنافسة المتزايدة في ظل العولمة وتغير متطلبات العملاء.
ويكمن دور الإدارة في رفع درجة اهتمام المتلقين الأوائل والأساسيين للمنتجات الجديدة أو للمنتجات الموجودة أساساً، ونعني بهم الموظفين، وهم المعنيون مباشرة ببيع هذه المنتجات وتقديمها بأفضل الطرائق والأساليب ومتابعتها بعد البيع.
فإذا كان هدف الشركة الأساسي هو بيع المنتجات وتحقيق الأرباح، فيتوجب على إدارتها الاهتمام بالموظفين وتعزيز انتمائهم، كونهم سيقومون بالتواصل المباشر مع الزبائن المحتملين لتحويل فكرة المنتجات المعلن عنها إلى خدمات حقيقية مباعة. حيث نلاحظ أحياناً الدهشة والحيرة على وجوه الزبائن، عندما يصطدمون بفتور البائعين وعدم اهتمامهم، بدلاً من مقابلتهم بالاندفاع والتشجيع اللازمين لإتمام أية عملية بيع، وكل ذلك بسبب نقص الاهتمام وغياب السياسة الإدارية الصحيحة، التي ينبغي أن تدرب العاملين وتوجههم وتحفزهم للعب دورهم على أفضل وجه، حيث لا يمكن لأي مؤسسة تحقيق مستويات عالية من ولاء العملاء، من دون أن تمتلك بالدرجة الأولى أعلى مستوى من ولاء العاملين فيه.
إن تصرفات الموظفين وسلوكهم، لا يتمان ولا ينتجان عن فراغ. تستطيع الإدارة أن تؤثر على سلوك الموظفين بما توفره من بيئة وظروف، أي بما تحركه وتوجهه إليهم من مؤثرات، فالإدارة من وجهة نظر الموظفين، ما هي إلا مجموعة مؤثرات توجِد وتشكّل وتكيّف سلوك هؤلاء الأفراد وتصرفاتهم. لقد أوضح Lewin "أن سلوك الفرد هو محصلة تفاعله مع بيئته"، هذا يعني أن التصرفات والاستجابات التي تتولد عن الموظف في العمل ليست نتاجاً منفصلاً عن خصائصه، ولا نتاجاً مستقلاً عن مؤثرات بيئة العمل التي يوفرها عمله، بل هي نتاج لتفاعل خصائصه الشخصية مع خصائص وظروف العمل معاً.
لقد استنتج الباحثان "Brayfield & Croket"، " أن سلوك الأفراد يخضع لقانون الأثر Low of effect ، الذي يعني أن قيام الفرد بسلوك معين أو تكراره له، يتوقف على الأثر الذي يحدثه هذا السلوك له، أي عندما يكون الأداء هو المسار الذي يحقق له أهدافاً هامة ذات قيمة ومنفعة".
وطبيعي أن مثل هذه الحالة تتواجد عندما يكون هناك نظام متقدم للحوافز والعوائد، مثل الراتب والترقية والمكافآت والعلاوات، تعطى بناء لما يقدمه الفرد من أداء فعلي، وبما يبديه من استعداد للتطور والتقدم، بحيث تكون مشروطة به.
نستنتج من ذلك أن الرضى ليس بالضرورة سبباً دائماً للأداء الجيد، ففي ظل اعتماد نظام تقييم ونظام حوافز متقدم، يحصل الموظف المجتهد على حاجاته وتزداد بذلك إشباعاته وتالياً شعوره بالسعادة والرضى، ويكون الرضى نتيجة للأداء الجيد وليس فقط سبباً فيه. يقول غاندي: الرضى لا يتأتى من تحقيق الأهداف فقط، بل عند بذل الجهود. الجهد الأقصى يوازي الانتصار.
وما يزيد من إشباعات العمل، محتوى العمل الذي يقوم به الفرد، مثل المسؤولية التي يتضمنها، وطبيعة الأنشطة وفرص الإنجاز التي يوفرها، والنمو والترقي اللذين يتيحهما للفرد، ومقدار المعرفة واكتساب الخبرة والتدريب الذي يتلقاه، وأيضاً تقدير الآخرين وتعرفهم عليه
إن الإشباعات التي يحصل عليها الفرد من عمله، تتحقق له من مصادر مختلفة أهمها الأجر. فالواقع أن دور الأجر لا يقتصر على إشباع الحاجات الفيسيولوجية فقط، وإنما يمتد ليعطي الشعور بالأمان، وليرمز إلى المكانة الاجتماعية، فهو وسيلة لإشباع الحاجات الاجتماعية من خلال ما يتيحه للفرد من امكانية العيش بمستوى لائق، ومن تبادل المجاملات الاجتماعية مع الآخرين. وفضلاً عن ذلك، فإن بعض الأفراد وبخاصة ممن يشغلون الوظائف العليا، يعتبرون الأجر رمزاً للنجاح والتفوق، ولهذا فإن للأجر جوانب اجتماعية ومعنوية عديدة لا يجب أن تُسقط ليُركَّز فقط على الوظيفة المحدودة له كوسيلة إشباع مادية.
تختلف درجة تأثير الحافز بين شخص وآخر حسب أهمية هذا الحافز بالنسبة إليه، فبينما تكون زيادة الراتب بالغة الأهمية للموظف صاحب الدخل المتدني، من حيث قدرتها على المساهمة في تأمين مستلزماته المعيشية الأساسية، فإن زيادة الراتب بحد ذاتها، لا تكون بمستوى الأهمية نفسه عند الموظف المكتفي نسبياً، خصوصاً الموظف الذي لديه دخل من مصادر أخرى غير الوظيفة. وفي كلتا الحالين فإن التقدير المعنوي المصاحب لأي حافز، والاعتراف بالأداء وتقديره، هو الذي يرفع أهمية الحوافز على أنواعها خلال السعي لإرضاء الموظفين وتحسين أدائهم.
يعتبر بعض الحوافز هاماً جداً من حيث تأثيره البالغ على أجواء العمل، ومنها "حوافز الجهود الجماعية" التي تعطى تقديراً لتنفيذ أهداف محددة نتيجة التعاون بين مجموعة العمل الواحدة، تلك الحوافز التي تحول جهود الأفراد إلى جهود جماعية متعاونة في سبيل تحقيق أهداف مشتركة، وقد أثبتت هذه الطريقة نجاحها في المصارف والمؤسسات التي اعتمدتها، حيث زادت من اندفاع الموظفين وإنتاجيتهم، وسهلت تعاونهم كفريق عمل واحد، وحدّت كثيراً من الخلافات الشخصية بينهم.
ويبقى أفضل الحوافز وأكثره نجاحاً، ذلك الذي ينطلق من مفهوم الشراكة بين رب العمل وموظفيه، لأنه يعزز انتماء الموظفين ويدفعهم لبذل أقصى جهد ممكن لتنفيذ الأعمال. فعندما يشعر الموظف أنه شريك في المكاسب التي يحققها المالك، فإن رؤيته ستتغير وسلوكه أيضاً، وستتبدل نظرته لعمله، من كونه أجيراً يتقاضى راتباً ثابتاً لا يتأثر بشكل مباشر بأدائه وإنتاجيته، إلى نظرة هي أكثر انتماءً وأكثر قرباً إلى نظرة رب العمل وطريقته في تأدية عمله.