مقتطف من كتاب "العمل المصرفي واستراتيجية التسويق" للكاتب سليم مهنا.
إن الارتقاء المادي يرافقه عادة أو ينشأ عنه بروز حاجات نفسية جديدة. فمع زيادة الموارد الاقتصادية ووفرتها ونمو الثروات، ومع التقدم العلمي والثقافي وانفتاح الأسواق، نشهد تغيراً متسارعاً في سلوك الأفراد والجماعات، ليس فقط من ناحية الرغبات والاحتياجات وحسب، بل من ناحية الآراء والمفاهيم والعادات. ولكن وبالرغم من هذا التطور المتسارع، تبقى لكل مجتمع خصوصيته وعاداته وتقاليده التي يصعب تغييرها بسهولة، وبعض هذه التقاليد راسخ ومرتبط بالإيمان والمعتقدات الدينية وبالقيم والأخلاق العامة. وبين سهولة التأثير في الآراء والعادات، وصعوبة التأثير في القيم والتقاليد، يكمن دور التسويق في فهم الطبائع البشرية ومحاكاتها بالصيغ المناسبة التي تسمح له بالدخول السهل إليها، وتغيير المفاهيم وتنمية الوعي لديها، من دون إثارة الجدل حول دوره، أو القيام بما قد يواجه برفض الرأي العام.
ولما كان التسويق يهدف إلى إنتاج الخدمات والمنتجات وبيعها، أي التوجه دائماً نحو المجتمع الذي هو نطاق عمله الفعلي، فعليه إذا أن يسعى لفهم السوق وتزويد العملاء بما يحتاجون إليه، وبحث السلوك الاجتماعي للأفراد وتحليله، ومراقبة تفاعل الجماعة مع بيئتها الجغرافية وتفاعل هذه الجماعة فيما بينها، ومتابعة تطور أنماط الحياة وتبدل نظام القيم ضمن هذا المحيط، ودراسة ردة فعله تجاه المنتجات الحالية ومدى تجاوبه معها، وردة الفعل المتوقعة عند إطلاق المنتجات الجديدة.
ونعني بالمحيط البيئة الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية والقانونية التي تعمل فيها المؤسسة، بما لها من تأثيرات على مجمل نشاطها، وبما تحويه من محفزات أو معوقات، وما تحمله من أخطار محتملة على نشاطها، حيث لا يمكن للإدارة التسويقية اتخاذ القرارات وإطلاق المنتجات، دون دراسة أثر هذه القرارات على البيئة التسويقية ومدى تأثرها بها.
يؤثر نظام معتقداتنا على كيفية تعاطينا مع المعلومات. تملي علينا المعلومات المغروسة في تفكيرنا عن موقف معين طبيعة رد فعلنا عليه. تؤمن بعض المجتمعات، على سبيل المثال، بأن الولادة هي حدث سعيد، وهكذا تحتفل به، فيما تجد الموت حدثاً سيئاً، وهكذا تظهر حزنها في المآتم. بينما هناك مجتمعات تؤمن بأن الموت هو تحول مجيد، ولذلك فإنها تظهر سرورها تجاهه. نلاحظ هنا ان ما يحدد طبيعة شعورنا ليس الحدث بذاته، بل معتقداتنا فيه.
المواقف ليست فطرية، إنها وليدة تداخل المؤثرات من كل نوع، التي نخضع لها دائماً ومنذ الطفولة: العائلة، المدرسة، النادي، المستوى الاجتماعي، قادة الرأي والجماعات المرجعية التي نرغب بالتمثل والتشبه بها، والتي تلعب بالنسبة لنا دور النماذج أو "الموديلات".
لا يتدخل المحيط مباشرة في عملية اتخاذ قرار الشراء، إنما يؤثر في وضعية الشاري المحتمل، فيكون العميل في وضع المتردد إذا كان ما يُقدم على طلبه وشرائه غير متوافق مع بيئته الاجتماعية أو غريب عنها وعن مفاهيمها وتقاليدها، وهذا ما يفسر ابتعاد الكثيرين عن التعامل مع المصارف مثلاً بسبب موقفهم الديني من الفوائد المصرفية باعتبارها من الرِبا، أو بسبب الخوف من التأنيب الاجتماعي إذا قاموا بالتعامل مع المصارف، حيث قد يصل مستوى التأنيب أو العقاب الاجتماعي، إذا صح التعبير، لدى بعض المجتمعات المحافظة، إلى حدود مقاطعة العميل في تجارته أو أعماله الخاصة، وممارسة ضغوط اجتماعية ودينية عليه.
كما تؤثر ردة فعل المجتمع على نوعية المتعاملين حسب موقعهم الاجتماعي ومهنهم، ويظهر ذلك جلياً في تعاطي رجال الدين مع المصارف على سبيل المثال، وفي تعاطي الأطباء والقضاة والعاملين في الحقل الاجتماعي، وبعض السياسيين، حيث لا يرغب معظم هؤلاء بالظهور أمام الناس بمظهر أصحاب الثروات.
وقد تكون تصرفات العميل ناتجة عن تأثره بغيره من أفراد الجماعة، وليس بسبب اقتناعه الشخصي بضرورة الشراء أو الانتفاع من الخدمة، بل اقتداءً بأحد الأشخاص البارزين، أو رغبة بالتقليد، أو لتأكيد الحضور الاجتماعي من خلال التماهي مع الآخرين خصوصاً مع الجماعة المرجعية التي ينتمي إليها.
من خلال ما توفره الجماعة من قبول لسلوك أعضائها أم رفضه، تستطيع أن تشكل مفاهيم الفرد وسلوكه، فالتشجيع على سلوك معين يؤدي إلى تكوين مفهوم عن سلامة هذا السلوك ومشروعيته من وجهة نظر الجماعة، والعكس صحيح عندما يكون موقف الجماعة رافضاً تصرف الفرد. فمن خلال فتح قنوات التفاعل الاجتماعي مع بعض الأفراد وصدها بالنسبة للبعض الآخر، ومن خلال عبارات الثناء والتشجيع أو عبارات السخرية والتوبيخ التي يصدرها الأفراد بعضهم تجاه البعض الآخر، ومن خلال مساندة بعض الأفراد وسحب هذه المساندة عن البعض الآخر، من خلال كل هذه الأساليب، تستطيع الجماعة أن تؤثر على سلوك أفرادها وتشكله وتطوعه بدرجات متفاوتة، حسب شخصية كل فرد، وفي الاتجاه الذي تريده.
وكما تؤثر المعتقدات والأنظمة الاجتماعية على سلوك الزبائن وتصرفاتهم، فإنها تمتد لتطال سلوكيات جميع العاملين في المؤسسة وتصرفاتهم، مدراء وأفراداً، باعتبارهم جزءاً غير منفصل عن المجتمع الذي ينتمون إليه والذي يتشكل منه جمهور المؤسسة، وتالياً فإن بإمكان إدارة التسويق توقع نتائج قراراتها وإجراءاتها على زبائنها ووقعها عليهم، من خلال قراءة تصرفات موظفيها، وملاحظة مدى اهتمامهم وتجاوبهم واقتناعهم بها، ومدى الحماس الذي يبدونه تجاهها.
